Najib Mikati
بحث

اراء

كيف يسعّر الاقتصاد الخطاب السياسي؟

نايف حمود العزي

|
منذ 11 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

لا تحتاج الأسواق إلى قرار اقتصادي مباشر كي تتغير، فقد يكفي خطاب سياسي يرفع احتمال التصعيد أو يشير إلى تغير محتمل في قواعد التعامل، لأن المتعاملين يعيدون حساباتهم وفق ما يتوقعونه من تكاليف ومخاطر، حتى قبل صدور إجراء فعلي.

في اليمن، تتسع مساحة التأثر بالتوقعات بسبب هشاشة البيئة الاقتصادية وتعدد مصادر المخاطر التي تواجه النشاط التجاري والمالي. لذلك لا يقتصر أثر الخطاب على مضمونه المعلن، بل يمتد إلى ما يستخلصه المتعاملون منه بشأن الأسعار والسيولة والتجارة والعوائد.

أولًا: الخطاب يخلق علاوة للمخاطر السياسية

عندما يرفع خطاب سياسي احتمال وقوع حدث ذي تكلفة اقتصادية، يعيد المتعامل تقدير العائد الذي يحتاجه للاستمرار في النشاط، وقد يضيف إلى السعر أو تكلفة التمويل هامشًا يعوض احتمال تغير بيئة العمل. ولا يتطلب ذلك وقوع الحدث، فقد يكفي ارتفاع احتمال حدوثه لتعديل الحسابات.

ولا تأتي الإشارات من التصريحات الرسمية وحدها، فالشائعات والتسريبات، بما فيها المعلومات المضللة، قد تغير توقعات المتعاملين بشأن سعر الصرف أو التجارة أو الإيرادات. وإذا تحرك السوق قبل التحقق منها، فقد يستفيد بعض المتعاملين من تقلب الأسعار، بينما يتحمل آخرون خسائر قرارات اتخذوها بناءً على معلومات غير صحيحة. ويتوقف حجم الأثر على مدى تصديق المعلومة وسرعة انتشارها، لا على صحتها وحدها. ويظهر ذلك في سوق الصرف عندما تدفع التوقعات المتعاملين إلى تفضيل عملة أو زيادة الاحتفاظ بالسيولة قبل تغير التدفقات الفعلية، بما قد يوسع حركة السوق أو يغير اتجاهها مؤقتًا.

ثانيًا: الخطاب يعيد تسعير زمن التجارة

إذا أشار الخطاب السياسي إلى احتمال اضطراب طريق تجاري أو تغيير إجراءات العبور أو فرض رسوم جديدة، أعاد التاجر تقدير الوقت اللازم لوصول السلعة وإتمام بيعها، وإطالة هذه الدورة تعني تجميد رأس المال مدة أطول، وزيادة الحاجة إلى السيولة والمخزون والتمويل، حتى إن لم يقع التعطيل فعليًا.

ولا تنتقل هذه التكلفة إلى المستهلك بالمقدار نفسه في جميع السلع، إذ تعتمد قدرة التاجر على تمريرها على مرونة الطلب والمنافسة وتوافر البدائل. فقد يستطيع رفع سعر بعض السلع الأساسية التي يصعب تأجيل شرائها، بينما يؤدي رفع سعر سلعة تتوافر لها بدائل إلى انكماش الطلب وتراجع المبيعات. وهكذا يتوقف الأثر السعري على طبيعة السلعة وظروف السوق، إلى جانب المخاطر التي أعاد الخطاب طرحها.

ثالثًا: الائتمان يعيد تسعير احتمال التعثر

إذا زادت احتمالات تأخر الشحنات أو تعطل البيع والتحصيل، فقد يطلب البائع دفعة مقدمة، أو يقلص أجل السداد، أو يخفض حد الائتمان الممنوح للمشتري، وفي هذه الحالة ترتفع تكلفة التمويل التجاري حتى دون تغير سعر الفائدة، لأن المشتري يحتاج إلى سيولة أكبر لتغطية المعاملة، بينما يفقد جزءًا من المرونة التي كان يوفرها السداد المؤجل.

ويمتد أثر هذا التشدد إلى السعر النهائي عندما يضطر التاجر إلى تمويل المشتريات من موارده أو الاقتراض لتغطية الفترة بين دفع قيمة السلعة وتحصيل ثمنها.

رابعًا: الخطاب يسعّر احتمال تغير تكلفة الجباية

عندما يشير الخطاب السياسي إلى احتمال تغيير الرسوم أو إجراءات التحصيل أو الجهات التي تفرضها، تصبح تكلفة الجباية المتوقعة جزءًا من حساب المعاملة قبل تحديد قيمتها الفعلية. وقد يدفع ذلك التاجر إلى تعديل مسار السلعة أو حجم المخزون أو شروط البيع، بحسب قدرته على تحمل الزيادة المحتملة.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال حين تكون هوامش الربح محدودة أو دورة رأس المال طويلة؛ فقد يؤدي تغير غير محسوب في تكلفة العبور أو التحصيل إلى تقليص هامش الربح أو جعل المعاملة غير مجدية. وهنا يؤثر الخطاب في القرار التجاري من خلال ما يتوقعه التاجر من التزامات، لا من خلال الرسوم القائمة وحدها.

خامسًا: رأس المال يغير وجهته

حين تتغير توقعات العائد وتزداد الحاجة إلى السيولة أو التمويل، يعيد المستثمر مقارنة الأنشطة المتاحة. فقد يفقد النشاط طويل الدورة جاذبيته لمصلحة نشاط أسرع دورانًا، أو يفضل المستثمر الاحتفاظ بالسيولة وتأجيل التوسع بدل ربط أمواله في مشروع يصعب تقدير تكاليفه المستقبلية.

ويعني ذلك أن أثر الخطاب قد يتجاوز السعر الآني إلى توزيع رأس المال بين الأنشطة؛ إذ تتغير جاذبية الاستثمار تبعًا لما يتوقعه المستثمر من عائد ومخاطر ومدة لاسترداد أمواله.

سادسًا: متى يكتسب الخطاب وزنًا اقتصاديًا؟

لا تتساوى التصريحات في أثرها على السوق، فالتصريح الذي يكرر معلومات معروفة قد لا يغير حسابات المتعاملين، بينما يكتسب التصريح وزنًا أكبر إذا حمل معلومة جديدة تتصل بتغير محتمل في القواعد أو الإجراءات أو تدفقات التجارة والتمويل. كما يتوقف أثره على مدى موثوقية مصدره وحجم النشاط المعرض للتغير.

لذلك لا تكفي حدة الخطاب لتفسير استجابة السوق؛ الأهم هو ما يضيفه إلى المعلومات المتاحة، وما إذا كان يدفع المتعاملين إلى تعديل قراراتهم بالفعل.

خاتمة

يسعّر الاقتصاد الخطاب السياسي عبر التغير الذي يحدثه في تقديرات المخاطر والتكلفة والعائد. وفي اليمن، قد يظهر هذا الأثر في سعر الصرف وشروط الائتمان وتكاليف التجارة وتوجهات الاستثمار قبل صدور القرار الذي يتوقعه المتعاملون، وتظل قوة الأثر مرتبطة بما يحمله الخطاب من معلومات قابلة للتصديق، وبقدرة السوق على استيعاب تكاليفها أو تمريرها إلى المستهلك.
ــــــــــــــــــــــ
*باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية