Najib Mikati
بحث

اراء

حين تتحول التهنئة إلى موقف وطني… أحمد علي عبدالله صالح ونداء استعادة الدولة

أحمد سود أحمد هفج

|
منذ 14 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

ليست كل التهاني في المناسبات الوطنية سواء؛ فهناك تهنئة تؤدي واجب المناسبة، وتنتهي بانتهاء يومها، وهناك تهنئة تتجاوز الكلمات إلى المواقف، وتستحضر الماضي لتسائل الحاضر، وتستدعي تضحيات الأجيال لتضع أمام الأحياء مسؤولياتهم تجاه الوطن والتاريخ.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التهنئة التي وجّهها الأخ أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، إلى أبناء الشعب اليمني في الداخل والخارج بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة؛ فقد حملت، إلى جانب مشاعر الاعتزاز بأبطال الثورة وشهدائها، رسائل سياسية ووطنية تتصل بجوهر الأزمة اليمنية، وبما يتطلبه الخروج منها من مراجعة جادة، وإرادة مسؤولة، وعمل يتجاوز الأقوال إلى الأفعال.
فأكتوبر في الذاكرة اليمنية ليس تاريخًا عابرًا، بل حكاية شعب قرر أن حريته ليست منحة من أحد، وأن كرامته لا تُستجدى، وأن الأوطان لا تُبنى بالتمنيات، وإنما بالتضحيات والإرادة والوعي بالمسؤولية.
ومن هنا تأتي أهمية استحضار الثورة اليوم؛ لا باعتبارها مجدًا نستظل بذكراه، بل باعتبارها عهدًا ينبغي أن يتجدد في ضمائر الأجيال، ومسؤولية تفرض على القوى الوطنية أن تسأل نفسها بصدق: ماذا بقي من أهداف الثورات في واقع المواطن؟ وأين الدولة التي ضحّى اليمنيون من أجل قيامها؟ وكيف يمكن استعادة الجمهورية وصون السيادة في ظل الانقسام وتعدد مراكز القرار؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح المناسبات الوطنية معناها الحقيقي، وتمنعها من التحول إلى طقوس خطابية تتكرر فيها الكلمات، بينما يظل الواقع أسير أزماته.
من أبرز الرسائل التي تضمنتها التهنئة التأكيد على أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق في ظل الانقسام، وأن توحيد الصف الوطني والعسكري ليس شعارًا للاستهلاك السياسي، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة ومخاطرها.
فالأوطان لا تستعيد عافيتها بمجرد إعلان الرغبة في استعادتها، ولا تُحسم المعارك الوطنية بتعدد الخطابات وتضارب القرارات، وإنما بقيادة مسؤولة، ومؤسسات فاعلة، وقرار سياسي وعسكري واضح، ومشروع وطني تتقدم فيه مصلحة اليمن على مصالح الأفراد والجماعات.
وإذا كان بناء جيش وطني موحد، قائم على الكفاءة والانضباط والولاء للدستور والجمهورية، يمثل إحدى ركائز الدولة، فإن ذلك لا يتحقق بمجرد جمع التشكيلات تحت مسمى واحد، بل بإخضاعها لمؤسسات الدولة، وتوحيد عقيدتها الوطنية، وإنهاء ازدواجية القرار، وضمان خضوع الجميع للقانون.
إن الدولة التي ينشدها اليمنيون ليست مجرد سلطة تستعيد العاصمة أو تفرض نفوذها على الجغرافيا؛ بل دولة تستعيد معها قيمة المواطنة، وهيبة القانون، وعدالة المؤسسات، وحق الناس في الأمن والخدمات والحياة الكريمة.
وهنا تكمن حقيقة المعركة الوطنية : أن تكون الغاية استعادة الدولة بكل مؤسساتها، لا استبدال مركز نفوذ بآخر، ولا تحرير الأرض لتظل حقوق الإنسان رهينة الحسابات ذاتها.
ومن الرسائل المهمة في التهنئة الدعوة إلى مراجعة الانتكاسات التي شهدتها بعض الجبهات، والوقوف بشجاعة أمام أسبابها، وتصحيح الأخطاء، والاستفادة من الدروس.
وهذه دعوة تستحق أن تُؤخذ بجدية؛ لأن الأوطان لا تخسر حين تتعثر فقط، بل تخسر أكثر حين يرفض أصحاب القرار الاعتراف بأسباب التعثر، وحين تتحول الأخطاء إلى أسرار ممنوعة، والمساءلة إلى خصومة، والنقد المسؤول إلى تهمة.
إن الوفاء لتضحيات المقاتلين والشهداء لا يكون بترديد أسمائهم في المناسبات وحدها، بل بمنع تكرار الأخطاء التي أهدرت التضحيات، وبمراجعة القرارات التي أضعفت الجبهات، وبإسناد المسؤولية إلى الكفاءات القادرة على الإنجاز، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الشخصية.
فليس من الإنصاف أن يُطلب من المواطن الصبر بلا نهاية، أو أن يُطلب من المقاتل تقديم المزيد من التضحيات، فيما تبقى مواطن الخلل بمنأى عن المساءلة والتصحيح.
ومن أراد استعادة الدولة حقًا، فعليه أن يمتلك شجاعة مراجعة النفس قبل مطالبة الآخرين بتقديم التضحيات.
وفي جانب آخر، تطرقت التهنئة إلى مخاطر الخطابات المناطقية والانفصالية المتشنجة، وما تخلقه من انقسامات تضعف الجبهة الداخلية وتمنح خصوم اليمن فرصة لاستغلال خلافاته.
وهذه قضية لا تحتمل المزايدة من أي طرف؛ فالوحدة الوطنية لا تعني إنكار المظالم، ولا إسكات المطالب المشروعة، ولا مطالبة الناس بالتنازل عن حقوقهم باسم الشعارات الجامعة، بل تعني معالجة المظالم بالعدل، وإقامة الشراكة على أساس المواطنة المتساوية، وضمان أن تكون مؤسسات الدولة مظلة لجميع اليمنيين دون تمييز أو إقصاء.
إن الحفاظ على اليمن لا يكون بفرض الصمت على المتضررين، كما أن معالجة المظالم لا تكون بفتح أبواب التمزق والصراع.
الطريق الصحيح هو دولة القانون والعدالة، التي تنصف المظلوم، وتحاسب المتجاوز، وتحفظ لكل منطقة وأبناء كل محافظة حقوقهم وكرامتهم، ضمن وطن يتسع للجميع.
واليمن، بكل تنوعه الاجتماعي والجغرافي والسياسي، لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائه؛ بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة، ويجعل المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات، ويضع مستقبل الأجيال فوق حسابات اللحظة.
ولعل من أكثر ما يمنح التهنئة بعدها الإنساني تأكيدها على حقوق أسر الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين، أولئك الذين تحملوا من أعباء الحرب وأوجاعها ما لا تستطيع الكلمات أن تصفه.
فهؤلاء ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا أسماء تُستحضر عند الحاجة إلى خطاب مؤثر، ثم تُنسى عندما تنفض المجالس، إنهم أصحاب حقوق ثابتة، ورعايتهم مسؤولية وطنية وأخلاقية لا ينبغي أن تخضع للمساومة أو التجاذبات السياسية.
إن أسرة الشهيد التي فقدت معيلها، والجريح الذي ينتظر العلاج، والأسير الذي ينتظر الحرية، والنازح الذي حُرم من منزله وأمانه، جميعهم يختبرون صدق الخطاب الوطني في تفاصيل حياتهم اليومية.
ومن ثم، فإن أي مشروع لاستعادة الدولة سيظل ناقصًا ما لم يجعل الإنسان في صدارة أولوياته، ويحوّل الوفاء من كلمات تُقال إلى حقوق تُصان، ورعاية تُقدّم، ومعاناة يُعمل على تخفيفها.
فليس أعظم من أن يضحي الإنسان من أجل وطنه، إلا أن يجد وطنه حاضرًا إلى جانبه، حافظًا لكرامته، وفيًّا لتضحياته.
وفي ختام التهنئة، جاء استحضار ثورات سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر والثاني من ديسمبر، بوصفها محطات في الذاكرة الوطنية اليمنية، ودعوة إلى جعلها منطلقًا لتوحيد الصفوف وتصحيح الاختلالات واستعادة الدولة.
والرسالة الأعمق في هذا الاستحضار أن التاريخ اليمني، على تعدد مراحله وتباين تجاربه، ينبغي أن يكون مصدرًا للعبرة الوطنية، لا وقودًا لصراعات جديدة.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية