|
A+
A-
تأتي الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، واليمن يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا وحساسية، لذا لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة للاحتفال، بل فرصة لقراءة تجربة وطنية كبيرة، واستلهام ما فيها من قيم وإنجازات، ومراجعة ما فيها من اختلالات، والتفكير في الدور الذي يمكن أن يسهم المؤتمر في استعادة الدولة اليمنية. تأسس المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 1982، في مرحلة كان اليمن فيها بحاجة إلى إطار وطني جامع يتجاوز الاستقطابات ويستوعب مختلف الاتجاهات والقوى الاجتماعية والسياسية ويسد الفراغ السياسي القائم حينها، حيث كان العمل الحزبي العلني حينذاك يعتبر غير قانوني وفي اطار المحظورات وكان الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، بصفته المؤسس، له الدور المحوري في إطلاق هذه التجربة وبناء إطارها السياسي والتنظيمي، إلى جانب نخبة من المؤسسين الأوائل الذين أسهموا في صياغة الميثاق الوطني وترسيخ تجربة سياسية اتسعت منذ بدايتها، لأطياف متعددة من المجتمع اليمني. كان بالفعل المؤتمر المظلة الوطنية التي احتوت الجميع ومن مختلف الاتجاهات، مثلت نموذجا للتعايش والشراكة السياسية الوطنية التي قادت مسيرة بناء متميزة وحافلة بالإنجاز وحققت سياسة وطنية معتدلة ومرنة بعيدة عن فكر الإلغاء تمكن فيها اليمن من إقامة علاقات متوازنة وسلمية ومثمرة مع مختلف أشقائه وجيرانه وخدمة السلام الاقليمي والدولي. الدعوة اليوم إلى المراجعة ليست تنكرًا للماضي، ولا تنصلًا من المسؤولية، إنما وفاء لتجربة رائدة ايمانا بالدور الوطني للمؤتمر ، ورغبة في أن يظل قادرا على خدمة اليمن وابنائه من جديد، مراجعة إيجابية تقوم على مواكبة كافة التطورات في المشهد، وبما يؤهل المؤتمر لاستعادة دوره وتمكينه من أن ينهض بمسؤوليته خلال الفترة المقبلة بكل ما ستحفل به من تطورات، باعتباره صاحب تجربته والأكثر شعبية وحضور جماهيري واستعدادًا للتضحية والانحياز لمصلحة الشعب وصيانة المكتسبات الوطنية انطلاقا من مبادئه وأديباته. لقد حقق المؤتمر خلال مسيرته إنجازات لا يمكن إنكارها أو اختزالها، في مقدمتها الإسهام في ترسيخ النظام الجمهوري، وتحقيق الوحدة اليمنية، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء مؤسسات الدولة، والانفتاح على التعددية والحياة الحزبية، وحل الملفات الشائكة مع الجيران بالتفاهم والحلول السلمية وفي مقدمتها قضايا الحدود وهذه الإنجازات جزء من تاريخ اليمن الحديث، ولا تلغيها الأخطاء أو الاختلالات التي رافقت التجربة، كما أن الاعتزاز بها لا ينبغي أن يمنع من مراجعة بعض المشكلات وتجاوزها مستقبلا. وكان الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، ومعه جيل المؤسسين الأوائل، يدركون أن اليمن لا يمكن أن يُدار بمنطق الغلبة والإقصاء، وأن قوة العمل الوطني تكمن في جمع الطيف السياسي حول القواسم المشتركة. وهذه فلسفة الحكم التي آمن بها المؤتمر وقيادته، ومن هنا فإن الوفاء للمؤسس ولجيل التأسيس يكون بالحفاظ على جوهر هذه التجربة المتميزة وتطويرها بما يتناسب مع اليمن الذي تغير كثيرًا خلال العقود الماضية، واستعادة الدور لا يعني السيطرة على السلطة، إنما للإسهام في بناء دولة العدالة، تكون فيها السياسة وسيلة لخدمة المجتمع وحماية مصالحه. من هنا يمكن فهم معنى الاستعادة، المؤتمر لا يحتاج إلى أن يستعيد ماضيه، فماضيه المشرف جزء من تاريخ اليمن، وإنما يحتاج إلى أن يستعيد فاعلية دوره الوطني، وأن يجدد مؤسساته وخطابه ومشروعه السياسي بما يجعله قادرًا على التعامل مع تحديات المرحلة الجديدة. من هنا تأتي الحاجة إلى مفهوم التوازن للوحدة: ومؤسسات الدولة، وعدالة الشراكة، والمواطنة المتساوية، ومعالجة المظالم، واحترام الخصوصيات المحلية، وتوسيع المشاركة، وتطوير الإدارة المحلية واللامركزية بما يعزز وحدة الدولة ولا يهددها، وبناء دولة للجميع. إن استعادة دور المؤتمر تبدأ من داخله، إذ يمكن لمؤسسة وطنية بهذا الحجم والتاريخ أن تبقى أسيرة الانقسامات أو أن تتحول اختلافاتها إلى صراع على الشرعية والمواقع، وأهم خطوة راهنة هو استعادة الثقة بالمؤسسة، والاحتكام إلى النظام والميثاق، واستيعاب مختلف الأجيال والقيادات، وفتح المجال أمام الشباب والمرأة والكفاءات الجديدة، وتحويل التنوع في الرؤى إلى مصدر قوة واثراء كونه ملك لكل أبنائه بمختلف مشاربهم وتطلعاتهم. ولكي تكمل الفكرة ينبغي ألا تصل هذه الرسالة إلى أبناء المؤتمر وحدهم، بل إلى القوى السياسية اليمنية التي اختلفت معه أو عارضته خلال مراحل مختلفة ليتم مراجعة التجربة برمتها وما كان مفهوما في سياقه في السابق وتجاوز السلبي منه بعين الناقد الحريص على استعادة الدولة. لقد أدرك كثيرون، بعد سنوات الحرب والانقسام، أن تجربة الحياة السياسية والحزبية، رغم ما شابها من أخطاء، كانت أفضل من واقع التشظي وغياب الدولة، وما يعبّر عنه البعض اليوم من حنين إلى المؤتمر ومرحلته باعتباره قوة سياسية وسطية، وإلى مرحلة كانت فيها مساحات أوسع للحوار والتنافس السياسي، ينبغي ألا يتحول إلى حنين للماضي، وإنما إلى حافز لبناء مستقبل أفضل. اليمن اليوم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الخصوم، أو انتصار طرف على آخر، إنما توحيد الصفوف والرؤى حول القيم والثوابت المشتركة: الدولة، الجمهورية، السيادة، الوحدة، المواطنة المتساوية، الديمقراطية، الحوار، الاحتكام إلى القانون. ولعل من أهم دروس المرحلة أن جميع القوى ترى ضرورة مراجعة تجربتها، وأن أحدًا لا يملك وحده الحقيقة الكاملة أو يتحمل وحده مسؤولية ما وصل إليه اليمن، لقد آن لليمنيين أن يتصالحوا مع تاريخهم، لا لكي يعودوا إليه، وإنما لكي يتعلموا منه ويفتحوا معًا صفحة جديدة للمستقبل. إذا بإمكان المؤتمر استعادة دوره الريادي باستعادة جوهر فكرته ودوره الوطني، مؤمنًا بالحوار لا بالغلبة، مدافعًا عن الدولة والوحدة والسيادة، قادرًا على تجديد نفسه ومشروعه، وهذا يبدأ من استعادة المؤتمريين ثقتهم بمؤسستهم مدركين قيمتها مؤمنين بقواعدهم التي هي مصدر اعتزاز وفخر ورافعة مهمة في كل الأحوال والمراحل. |