Najib Mikati
بحث

اراء

نكبة 11 فبراير في اليمن جرحٌ مفتوح وكوارث ما زالت تتكاثر

عصام دويد

|
منذ 23 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

شكّل الحادي عشر من فبراير 2011 نقطة تحوّل حادّة في تاريخ اليمن المعاصر. فباسم التغيير والإصلاح خرجت احتجاجاتٌ رفعت شعاراتٍ براقة، لكن مسار الأحداث انحرف سريعاً من مطالب معيشية وسياسية مشروعة إلى فوضى شاملة مزّقت الدولة وأضعفت المجتمع وفتحت الأبواب أمام صراعاتٍ لم يكن اليمنيون يتخيّلون حجمها.

قبل ذلك التاريخ كان اليمن – على ما فيه من صعوبات – دولةً قائمة بجيشٍ موحّد ومؤسسات تعمل وحدودٍ مصونة. ومع اندفاع موجة ما سُمّي بـ«الربيع العربي» تحوّل الخلاف السياسي إلى صدامٍ على السلطة، وتداخلت الأجندات الداخلية مع التدخلات الخارجية، فانهارت لغة الحوار لتحلّ محلها لغة السلاح. ومنذ اللحظة الأولى تراجع منطق الدولة لصالح الميليشيات ومراكز النفوذ، فدُفعت البلاد إلى طريقٍ مجهول.

أولى الكوارث تمثّلت في تفكك المؤسسة العسكرية والأمنية التي كانت صمّام أمانٍ لوحدة اليمن. ومع الانقسام العسكري بدأت الجماعات المسلّحة تتكاثر، وتحوّلت المدن إلى ساحات صراع، وتوقفت عجلة التنمية، وضاعت هيبة القانون. ثم جاءت المرحلة الأخطر حين استغلّت قوى انقلابية حالة الضعف لتقويض ما تبقّى من الشرعية، فدخل اليمن في حربٍ طويلة أكلت الأخضر واليابس.

اقتصادياً، كانت النتائج مدمّرة: انهيار العملة، انقطاع الرواتب، اتساع رقعة الفقر والبطالة، وتدمير البنية التحتية من طرقٍ وموانئ ومحطات كهرباء ومياه. ملايين اليمنيين وجدوا أنفسهم نازحين داخل وطنهم، وأجيالٌ كاملة حُرمت من التعليم والرعاية الصحية. أما النسيج الاجتماعي الذي تميّز به اليمن عبر قرون فقد تعرّض لشرخٍ عميق بسبب خطاب الكراهية والمناطقية والطائفية.

سياسياً، خسر اليمن سيادته واستقراره. تحوّل من فاعلٍ في محيطه إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وتراجعت مكانته بين الأمم. والأشد إيلاماً أن أحلام الشباب الذين خرجوا يطلبون مستقبلاً أفضل سُرقت منهم، ليجدوا أنفسهم أمام واقعٍ أكثر قسوة وظلماً مما كان.

إن الحديث عن 11 فبراير ليس رفضاً لفكرة الإصلاح أو تجاهلاً لأخطاء الماضي، بل هو قراءةٌ صادقة لنتائج طريقٍ خاطئ. فالتغيير الحقيقي لا يُبنى على هدم الدولة، ولا على استدعاء الخارج، ولا على إقصاء الشركاء في الوطن. ما حدث كان نكبة بكل معنى الكلمة، لأن ثمنه دُفع من دم اليمنيين وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.

اليوم، وبعد كل هذه السنوات من الألم، يحتاج اليمن إلى مراجعة شجاعة تعترف بأن إنقاذ الوطن يبدأ بإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وجمع الصف، ورفض مشاريع التقسيم والهيمنة. فاليمن أكبر من كل الصراعات، وتاريخه أعمق من أن يُختزل في لحظة فوضى. لعلّ ذكرى تلك الأحداث تكون درساً للأجيال بأن الأوطان لا تُغامَر بها، وأن الاستقرار – مهما كان ناقصاً – أرحم ألف مرة من وهم الثورات التي تتحوّل إلى كوارث ٠

عصام دويد

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية