Najib Mikati
بحث

اراء

فبراير.. الدم والدمار

مصطفى المخلافي

|
منذ 8 ساعات
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

يبدو الحديث عن فوضى فبراير، أشبه بالحديث عن وباء متفشي، ذكرى عار لحقت باليمن واليمنيين، وأدخلت الخوف والموت والحزن إلى كل بيت يمني، مرت السنوات وتعاقبت الأحداث، وما زالت وجوهنا شاحبة، وحياتنا لم تعد كما كانت لامعة بالأمن والأمان والاستقرار، ولم يعد الأطفال يحملون حقائبهم المدرسية كما كانوا، ولم يعد لدينا مسميات فرح لحياتنا اليومية، وطن تحول الى جنازة كبيرة تجوب كل محافظات ومدن وقرى الجمهورية اليمنية، يقول أحدهم: كنا نسابق الزمن لسحق النظام وإلحاق الأذى بعلي عبدالله صالح، كان هذا مبلغ همنا وتطلعاتنا، وهذا ربما ما يفتح المجال للسؤال؟ كيف استطاع الرئيس علي عبدالله صالح آنذاك ضبط انفعاله وردود فعله؟ وقد نصبوا له المشانق في خيمهم واحتفلوا باستهدافه؟ لربما كان صالح يُدرك نواياهم، لكنه لم يغفل للحظة عنهم، حين أطلق العديد من المبادرات لحقن الدماء، وتجنيب الوطن خطر الانزلاق في الصراعات، ولذلك ستظل نكبة فبراير محطة عار ودم ملوث خرج من جسد الوطن، وما زالت ريحته النتنة تفوح حتى يومنا هذا.

منذُ ذلك الوقت شهدت حياتنا ارتباكنا الأول، وضعف عودنا، وابتكر رواد الساحات الابتذال بوصفهِ مهارة، ثم توقف الزمن للحظة، ونحن نشاهد رئيس الدولة يُستهدف في جامع دار الرئاسة ثم شاء الله أن ينجي بإعجوبة، حينها ظننا بأننا نجونا من السقوط، واليوم وبعد مرور خمسة عشر عاماً على ذكرى النكبة، عادت مخيلتي إلى ذلك اليوم بحركة دائرية منهكة إلى النقطة الأولى، إلى الحدث المشؤوم، إلى مشاهد التجمهر والخيم وقطع الطرقات، كأن الزمن مهما ابتعد يعيدني بقوة المكسور إلى ذلك التاريخ، إلى الحادي عشر من فبراير الأسود، يعيدني كذلك إلى صوت امرأة كانت تصرخ في ساحة تعز وتسأل أين إبني؟ اعيدوا لي إبني، ثم يصرخ أحدهم ويقول لها، إبنك في خيمة اللجنة المنظمة، حال الانتهاء من التحقيق معه سيعود إليك، ما تهمته تقول الأم؟ يُجيبها صوت جهوري آخر ويقول: ابنك أمن قومي يعمل لصالح الدولة، تصرخ الأم بحرقة، ولا صدى لصراخها سوى صدى صرخات المخربين، حينها شعرت بغصة، وأنا اسمع صرخاتهم الممزوجة بدم الأبرياء، كان حينها حسام اليوسفي الاخواني المعتق يعتلي المنصة ويصرخ في الحاضرين، كلما زاد شهيد اقتربنا من النصر، وعلى بُعد أمتار قليلة من الساحة، شخص يصرخ من بعيد، حزب الإصلاح سينكبكم، عودوا إلى منازلكم، وما زال صوتهُ لليوم يرن في أُذني، لليوم ما زالت أم رمزي القباطي تبحث عن ابنها، بعد أن أبلغوها آنذاك بأنه فر منهم، وأنا أقول لهم أعطوا الأم شهادة وفاة ابنها واغلقوا باب الحزن عن قلبها.

لم نكن نعلم بأن الزمن يسرق الأشياء دفعة واحدة، لقد وضعتنا نكبة فبراير وجهاً لوجه مع العاصفة، ثم اختفت بهدوء بعد رحيل الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، لتجعل جيل كامل من اليمنيين يتقبل الخسارة والانهزام في آن واحد، وهذا ربما يكون إدراك متأخر من القطيع بأن فبراير كان خديعة، حين سقط البعض منهم في بئر الإخوان، ومضوا إلى آخر مرة تكون فيها الحقيقة واضحة، والحقيقة بأن الاعتذار لا يُعيد وطن ممزق، ولا روح قُتلت ظلماً، ولا بيتاً أخذت الحرب منه أرواحاً كانوا يضيئونها، ولذا لا تصالح مع من هدم سقف الوطن فوق الجميع، ولا مع من فضل الخيمة على الدولة، ولا مع من أخرج الحوثي من الكهف إلى حي الجامعة، ومع تجريم فبراير ومحاسبة ومعاقبة كل من خرج ينادي بإسقاط النظام ومن ممول وخرب.

في العام ٢٠١١م، كنت أتابع الأحداث والتطورات لحظة بلحظة، وكانت دموعي تسيل خوفاً على الوطن، وأنا أرى نكبة فبراير تمضي غير آبهة بخساراتنا الكبيرة، كُنتُ أشعر حينها بخنجر بطيء ينبت في صدر اليمن، اتحسس جانبي الأيسر وكأن الخنجر نبت في قلبي، صنعاء التي استمدنا منها الشجاعة كانت في تلك اللحظة تبدو واهنة، الناس في خوف، والإخوان يحشدون ميليشياتهم من كل مكان، تحولت العاصمة إلى ساحة معركة، فيما النظام كان حريص على تفويت الفرصة ومنع أي اقتتال في العاصمة صنعاء وباقي المدن، وهو الأمر الذي استدعى الإخوان وميليشياتهم إلى استهداف المعسكرات ونهبها وقتل الأفراد.

لم يعد هنالك ما يدعوا للاحتفال بذكرى العار، غير أن عيال الساحات تحولوا إلى مادة لزجة بلا أي حياء أو خجل، وعليهم أن يدركوا بأن فبراير كان هجيناً أعمى من خطاب كُتب بالحبر الأسود، ومن عقيدة صلبة لا ترى الحياة إلا من ثقب ضيق، ولذا يعود السؤال؟ أخلاقياً، هل مطلوب منا اليوم فتح ضفحة جديدة مع هؤلاء المغامرون؟ بلا شك لا تصالح معهم طالما الوجع ما زال باق في كل بيت، ثم من يقرر مصيرنا عبر هذا التداخل؟ حين سُلب منا كل شيء دون أن ننتبه؟

لا أُريد الغرق في تفاصيل النكبة، لأن الخوض في تفاصيلها قد يقودني إلى طريق لا نهاية لها، فيما آثارها لليوم على الوطن والمواطن ما زالت شاهدة، ولكني أُحاول جاهداً أن أبوح بعض ما في صدري، أن أكتب الخوف والموت معاً على هيئة كلمة، أن أرسم الوطن ولو بقُبلة، أن أشرح التفاصيل حين يغزوني القهر، ولذا تجدني دائماً ما أتطرق إلى تلك الحقبة، التي كانت سبباً في جرف الدولة والهوية وهدم كل مقومات الحياة، وربما يقول أحدهم بأني اتحدث هنا بنوع من القسوة أو المبالغة، والحقيقة أن هذه مبادئ وقيم عُليا لا يمكن القفز عليها، وعليكم أن تتأدبوا في حضرة الشعب اليمني، تأدبوا في حضرة الحزن اليمني الذي بلغ ذروته بسبب هذه النكبة، ودعوا اليمنيين يُعبرون عن رفضهم وعن تذمرهم مما قام به الإخوان والقطيع التابع لهم.

في داخلي حديث كثير، ومعاناة عديدة عن ضحايا كثر، ولكن الكتابة حول هذا الجانب مُرهق للعقل والقلب، خاصة عندما تبحث وطنك ولا تجد سوى صورة لوطن ممزق نحاول جاهدين أن نحرسها بقلب الأم الحريصة على طفلها.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية