Najib Mikati
بحث

اراء

خارج حسابات الدولة: اليمنيون في ظل اقتصاد البقاء

نايف حمود العزي

|
منذ 12 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

مدخل: حين يعمل الاقتصاد… ويموت المجتمع

في اليمن لا يعيش المواطن داخل اقتصاد الدولة، بل في هامشه القاسي. اللافت أن الاقتصاد لم يتوقف عن العمل، بل أعاد تنظيم نفسه على نحو يخدم الحرب أكثر مما يخدم الناس. الإيرادات تُجبى، الأسواق تعمل، والنقد يتداول، لكن مؤشرات المعيشة تنحدر بلا توقف. هذا التناقض ليس عرضاً عابراً، بل هو جوهر اقتصاد الحرب.

وفقاً لتقارير البنك الدولي، شهد اليمن انخفاضاً بنسبة تتجاوز 54% في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي منذ عام 2015، بينما تضاعفت كلفة سلة الغذاء الأساسية أكثر من ثلاث مرات. أي أن ما ينتجه الاقتصاد لم يعد يُترجم إلى قدرة معيشية، بل إلى قدرة على الاستمرار السلطوي فقط. 
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان الاقتصاد يعمل، فلماذا لا يعيش الناس؟

إن ما يراه البعض حياة طبيعية هو في الحقيقة «اقتصاد بقاء» قسري، وما نلمسه من مظاهر استمرار ليس نمواً، بل هي «آليات نجاة» فردية تستنزف مدخرات المجتمع ومستقبله لتعوض غياب الدولة.

أولًا: الفجوة القاتلة: حين تنفصل الأرقام عن الواقع المعيشي

تُظهر بيانات الإيرادات الحكومية – في مناطق مختلفة من اليمن – تحسنًا نسبيًا أو استقرارًا في بعض مصادر التحصيل، خصوصًا الجمارك والضرائب غير المباشرة. في عام 2024، قدّرت بيانات البنك المركزي أن الإيرادات النفطية وغير النفطية شكّلت ما يقارب 60% من الموارد العامة المتاحة للسلطات المعترف بها، مقارنة بنسبة أقل بكثير خلال سنوات الحرب الأولى.

لكن في المقابل،  تؤكد نتائج التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC، وتحديثات برنامج الأغذية العالمي WFP لعامي 2024–2025، أن أكثر من 17 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن نحو 70% من الأسر اضطرت إلى تقليل عدد الوجبات اليومية أو الاعتماد على ديون غذائية.

هذا التناقض يعكس ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الإيرادات بلا خدمات. فالإيراد هنا لا يُقاس بقدرته على تمويل الصحة أو التعليم، بل بقدرته على:
تمويل الجبهات، تثبيت شبكات النفوذ، وضمان استمرار السلطة القائمة.

وبذلك، تتحول الإيرادات من أداة سيادية إلى آلية فصل بين الدولة والمجتمع، وتصبح الأرقام الصاعدة في التقارير وجهًا آخر لأرقام الجوع المتصاعدة على الأرض.


ثانيًا: سحق الطبقة الوسطى: كيف انهار العمود الفقري للاقتصاد؟

قبل الحرب، كانت رواتب موظفي الدولة تمثّل أحد أعمدة الطلب المحلي في اليمن. فالمعلم، والطبيب، والموظف الإداري، لم يكونوا مجرد متلقّي أجور، بل كتلة استهلاكية فاعلة تضمن دوران السوق، وتربط بين استقرار المجتمع واستقرار الدولة.

أما اليوم، فتشير تقديرات متقاطعة إلى أن أكثر من 1.2 مليون موظف حكومي (في عموم البلاد) إما لا يتقاضون رواتبهم بانتظام، أو يتقاضون جزءًا ضئيلًا منها لا يغطي سوى 20–30% من احتياجاتهم الأساسية.

قبل 2014، كان متوسط الراتب يغطي سلة غذاء شهرية، أما في 2024، ووفق مسوح منظمة الأغذية والزراعة FAO حول أسعار الغذاء والدخل الحقيقي للأسر في اليمن، فإن متوسط الراتب – إذا صُرف أصلاً –  لم يعد يغطي كلفة الغذاء لأكثر من عشرة أيام. بمعنى أنه أصبح قيمة رمزية لا تُعيد إنتاج القوة المعيشية للأسرة، بل تؤجّل الانهيار فقط.

هذا التحول لا يعبّر عن فقر تقليدي ناتج عن تراجع النمو، بل عن تفكيك ممنهج للطبقة الوسطى، وهو تفكيك ارتبط مباشرة بهندسة الإيرادات في ظل اقتصاد الحرب؛ فبينما انشغلت السلطات المتصارعة بتعظيم الجباية وتحسين كفاءة التحصيل القسري، جرى إخراج الأصول البشرية للدولة من معادلة الربح والخسارة، ليتحوّل الموظف العام من محرك للاستقرار الاقتصادي إلى عبء قابل للتعطيل السياسي.

ومع اختفاء الطبقة الوسطى، انقسم المجتمع إلى قطبين: قِلّة راكمت ثروتها من اقتصاد الحرب، وأغلبية انزلقت نحو “اقتصاد البقاء”، حيث لم تعد الأسعار تُبنى على الدخل، بل على الندرة المُصنَّعة عبر الجبايات وتقييد الوصول. اقتصاديًا، مثّل هذا التحول كسرًا مباشرًا لدورة الطلب المحلي، ودفع السوق للانتقال من سوق استهلاك مدني إلى سوق إغاثة ومضاربة.


ثالثًا: المواطن كضريبة نهائية: كيف تُنقل كلفة الجباية إلى المائدة؟

في اقتصاد الحرب، لا تُفرض الضريبة في القانون، بل في السعر، فالإتاوات المتعددة، والجمارك الداخلية، وفوارق أسعار الصرف، وكلفة النقل الناتجة عن تقطع الطرقات، لا تعمل كعوامل مستقلة، بل كطبقات متراكبة من الجباية القسرية تُحمَّل على السلع قبل أن تصل إلى المستهلك.

تشير مسوح ميدانية لـ مركز الدراسات الاقتصادية والإعلام (SEIMC) إلى أن كلفة نقل السلع بين المدن اليمنية تضاعفت مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بما قبل الحرب، ليس بسبب المسافة أو كلفة الوقود فقط، بل نتيجة تعدد السلطات الإيرادية ونقاط التحصيل غير الرسمية. في هذه البيئة، لا يستطيع التاجر امتصاص الكلفة طويلًا، فتنتقل مباشرة إلى أسعار السلع الأساسية.

هنا لا يعود التضخم ظاهرة نقدية فحسب، بل يتحول إلى "تضخم جبائي" بامتياز، حيث يدفع المواطن ثمن الانقسام النقدي، والجباية المزدوجة، وانهيار الطرق، دون أن يظهر اسمه في أي موازنة، ودون أن تعترف به أي سلطة كطرف دافع يستحق الحماية أو المقابل.

رابعًا: اقتصاد النجاة: حين يصبح البقاء بديلاً عن التنمية

أمام هذا الواقع، لم ينتظر اليمنيون الدولة، بل أعادوا اختراع حياتهم.
الحوالات الخارجية، التي تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا، تحولت إلى المصدر الأكثر استقرارًا للدخل الأسري، متجاوزة في أثرها أي سياسة مالية أو نقدية.
الطاقة الشمسية انتشرت ليس بوصفها خيارًا بيئيًا، بل كحل قسري لانهيار الكهرباء، ما خلق اقتصادًا موازيًا للخدمات العامة.

أن هذا «النجاح» الظاهري يخفي حقيقة مقلقة، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF)، أن الاقتصاد غير الرسمي بات يشكل أكثر من 50% من النشاط الاقتصادي، ما يعني أن الدولة لم تعد مرجعًا اقتصاديًا، بل مراقبًا ضعيفًا – إن وُجد.

والأخطر من ذلك، أن اقتصاد النجاة لا يبني قابلية للتعافي، بل يُراكم "هشاشة مؤجلة". فالأسر التي تعيش على الحوالات، والعمل غير الرسمي،  تفقد تدريجياً ارتباطها بالدولة، ويصبح الاعتماد على المؤسسات خياراً عالي المخاطر مقارنة بالحلول الفردية.
ما يعني، أن هذا ليس تعافيًا، بل تكيّفًا قاسيًا مع الغياب.

كل حديث عن توحيد الاقتصاد، أو تنظيم الإيرادات، أو حتى هندسة الدولة، سيظل ناقصًا ما لم يبدأ من الإنسان.
اقتصاد الحرب لا يسقط عندما تتراجع الجبهات، بل عندما تفقد السلطة قدرتها على تحميل كلفتها للمجتمع.

اليمن اليوم لا يعاني فقط من حرب طويلة، بل من جيل كامل يتشكل خارج فكرة الدولة، خارج عقدها الاجتماعي، وخارج حساباتها.

وحين يصبح البقاء هو أقصى طموح الناس، فإن أخطر ما نخسره ليس الإيرادات… بل المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية