Najib Mikati
بحث

منوعات

تغير المناخ.. التهديد الأمني الأكبر لأوروبا

قناة اليمن اليوم

|
منذ ساعتين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

يكشف تصاعد موجات الحر وحرائق الغابات والجفاف في أوروبا أن تغير المناخ لم يعد مجرد تحد بيئي، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن والاستقرار والبنية التحتية والجاهزية العسكرية في القارة.

هذا ما أكده باتريك شرودر، الباحث الأول في قضايا البيئة والمجتمع، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس".

المناخ يفتح جبهة جديدة أمام الأمن الأوروبي

وقال شرودر إن تغير المناخ أصبح أكبر تهديد أمني منهجي لأوروبا. فمع مواجهة القارة أسوأ صيف لها على الإطلاق من حيث موجات الحر الشديدة والجفاف وحرائق الغابات، لا يوجد تهديد آخر يؤثر في هذا العدد الكبير من الدول والسكان والأنظمة الحيوية في الوقت نفسه.

وساهمت الحرارة الشديدة في وفاة ما يقدر بنحو 10 آلاف شخص إضافي خلال موجة الحر في يونيو، التي دمرت أيضا نحو 9 ملايين طن من المحاصيل الزراعية في أوروبا.

كما أثر الجفاف وحرائق الغابات في جميع أنحاء القارة تقريبا، إذ احترق أكثر من 600 ألف هكتار من الأراضي والغابات منذ بداية العام، واضطر مئات الآلاف من الأشخاص إلى مغادرة أماكن وجودهم.

ويمتد الاضطراب إلى ما هو أبعد بكثير من مناطق الكوارث المباشرة وعبر الحدود الوطنية. فدرجات الحرارة الشديدة ونقص المياه يهددان الأمن المائي والغذائي، ويقيدان حركة النقل النهري والسكك الحديدية، ويفرضان ضغوطا على خدمات الصحة والطوارئ.

وتعرضت المنازل والشركات والبنية التحتية الحيوية لأضرار. كما أجبرت مستويات الأنهار المنخفضة بعض المفاعلات النووية على التوقف عن العمل بسبب نقص مياه التبريد المناسبة، ما يهدد بتعطيل سلاسل إمدادات الطاقة.

كما يجعل تغير المناخ أوروبا أكثر عرضة لهجمات غير تقليدية. فموجات الحر والجفاف الممتدة يمكن أن تحول البلدان إلى ما يشبه "صندوقا سريع الاشتعال"، كما حذر رئيس الوزراء البريطاني ندي بيرنام الأسبوع الماضي، قبل أن ترسل حكومته تحذيرا عاما طارئا بشأن حرائق الغابات.

ويقول شرودر إنه في مثل هذه الظروف، يمكن لعمل واحد من أعمال إشعال الحرائق عمدا أن يتسبب في عمليات إجلاء جماعية، ويدمر البنية التحتية، ويغرق خدمات الطوارئ. كما أن تنفيذ هجمات إشعال الحرائق سهل، في حين يصعب على السلطات منعها. وهذا يجعل حرائق الغابات أداة محتملة للهجمات الإرهابية أو للحرب غير المتماثلة شديدة التدمير.

وفي هذا العام، اعتقلت فرنسا نحو 500 شخص للاشتباه في إشعالهم حرائق، وقالت وزارة الداخلية في 30 يوليو إن نحو 70 بالمئة من المحتجزين متهمون بإشعال الحرائق عمدا.

وفي الوقت نفسه، تسببت الضربات الروسية مرارا في إشعال حرائق في الغابات داخل أوكرانيا. وفي مايو 2026، أدت هجمات بطائرات مسيرة إلى اندلاع عدة حرائق غابات في منطقة تشيرنوبل المحظورة ومنطقة جيتومير.

البنية التحتية الحيوية تحت ضغط المناخ

ويرى شرودر أن تغير المناخ يؤثر أيضا في الجاهزية العسكرية الأوروبية من خلال إلحاق أضرار بالقواعد الجوية والمطارات وشبكات النقل. فعلى سبيل المثال، ساهمت الظروف الجافة الممتدة في اندلاع حرائق غابات بدأت في مناطق تدريب عسكرية في هولندا في أبريل.

كما أن أي اضطراب يطال البنية التحتية الأوسع، مثل شبكات الكهرباء أو النقل، يمكن أن يقوض العمليات العسكرية بشكل مباشر.

ويتعين على القوات المسلحة الأوروبية الآن الاستعداد لاستدعائها بصورة أكثر تكرارا لمكافحة الحرائق، وتعزيز الدفاعات ضد الفيضانات، ودعم عمليات الإجلاء، وتوصيل إمدادات الطوارئ، وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية. وسيؤدي ذلك إلى تحويل الأفراد والقدرات اللوجستية بعيدا عن التهديدات الأمنية الأخرى.

وهذا يحدث بالفعل. ووفقا لمجلس المخاطر الاستراتيجية، جرى نشر القوات المسلحة أكثر من 30 مرة استجابة لحرائق الغابات في أنحاء أوروبا خلال شهري يونيو ويوليو وحدهما. وفي يوليو، نشرت إسبانيا أكثر من 1200 فرد عسكري و400 مركبة لمواجهة حريق كبير واحد. وفي المملكة المتحدة، يشارك حاليا نحو 200 فرد عسكري في مكافحة حرائق الغابات في جنوب ويلز.

ويؤكد شرودر أن حجم هذه المخاطر ونطاقها يتطلبان اتخاذ إجراءات.

ويقر تقييم الأمن المناخي الصادر عن منظمة العلوم والتكنولوجيا التابعة لحلف الناتو في يناير 2026 بالفعل بأن تغير المناخ يمثل "مشكلة منهجية" تؤثر في جميع المخاطر الأمنية الأخرى.

ويخلص التقييم إلى ضرورة تحديث خطة الناتو الحالية للعمل بشأن تغير المناخ والأمن، التي نشرت في عام 2021، بصورة شاملة، وترجمة المعرفة المتعلقة بالمناخ إلى إجراءات عملية. وينبغي دعم ذلك بتنسيق أفضل وأكثر رسوخا مؤسسيا بين العلماء والمتخصصين في الدفاع وصانعي السياسات.

وبعيدا عن خطة الناتو، هناك حاجة إلى نهج أوروبي أوسع قائم على مفهوم الأمن في التعامل مع تغير المناخ. ويتعين أن يحقق هذا النهج عدة أهداف.

والتزم أعضاء الناتو الأوروبيون بإنفاق 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، بما في ذلك ما يصل إلى 1.5 بالمئة على استثمارات أوسع مرتبطة بالدفاع والأمن، مثل البنية التحتية الحيوية والقدرة على الصمود.

وعلى الرغم من اعتراف الناتو بتغير المناخ باعتباره تهديدا أمنيا، فإنه لم يحدد صراحة التكيف مع تغير المناخ باعتباره إنفاقا مرتبطا بالدفاع. غير أن الاستثمار في التكيف مع تغير المناخ يمكن أن يسهم إسهاما مهما في تعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل.

وبالمثل، ينبغي أن تكون الاستثمارات في البنية التحتية والحماية المدنية والاستعداد لمواجهة الطوارئ قادرة على الصمود أمام تغير المناخ ومهيأة للمستقبل. ويمكن تصنيف هذه الاستثمارات، من الناحية المحتملة، ضمن نسبة الـ1.5بالمئة المحددة بصورة غامضة للإنفاق الأوسع المرتبط بالأمن.

ومن ثم، فإن اعتبار الإجراءات المناخية استثمارات أمنية مهمة من شأنه أن يساعد على توجيه الموارد الشحيحة وتحسين القدرة على الصمود، مع إمكانية مساعدة الدول الأعضاء أيضا على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالإنفاق.

وساهمت سياسات المناخ والطاقة الأوروبية في خفض انبعاثات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إلى نحو 35 بالمئة دون مستويات عام 1990، لكن الاتحاد الأوروبي لا يزال مسؤولا عن 3.2 جيجا طن من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري سنويا، أي نحو 6 بالمئة من الانبعاثات العالمية.

ولا تقتصر أهمية إزالة الكربون في أوروبا على خفض الانبعاثات، بل تمتد أيضا إلى تأثيرها العالمي في توجيه الدول الأخرى وتشجيعها على أن تحذو حذوها.

ويمكن أن يقلل الاستعداد والتكيف من الخسائر البشرية والأضرار، لكنهما لن يتمكنا من مواكبة التفاقم المستمر للحرارة والجفاف والفيضانات والحرائق إلى أجل غير مسمى.

فأوروبا هي القارة الأسرع احترارا في العالم. ولن تكون سياساتها الحالية وتعهداتها المناخية كافية للتكيف الكامل مع الزيادة المتوقعة في متوسط درجة الحرارة العالمية، والتي تتراوح بين 2.4 و3.9 درجة مئوية خلال هذا القرن.

ولذلك، يجب أن يترافق الاستثمار في القدرة على الصمود مع خفض سريع للانبعاثات وتعزيز الالتزام السياسي بإزالة الكربون. وهذه هي الوسيلة الأساسية لمنع تحول التهديد إلى خطر أكثر حدة وصعوبة في السيطرة عليه بصورة متزايدة.

كلفة التكيف أقل من فاتورة الكوارث

وتشير التقييمات إلى أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استثمار نحو 70 مليار يورو سنويا في التكيف مع تغير المناخ حتى عام 2050 لتجنب أسوأ الآثار.

وتحتاج المملكة المتحدة إلى استثمار نحو 11 مليار جنيه إسترليني سنويا، وفقا لتقرير صادر في مايو عن لجنة تغير المناخ البريطانية.

وعلى الرغم من أن هذه المبالغ قد تبدو كبيرة، فإنها متواضعة مقارنة بالتكلفة المتزايدة لعدم اتخاذ أي إجراء. فقد تسببت الكوارث المرتبطة بالمناخ في خسائر مباشرة للاتحاد الأوروبي بلغت في المتوسط 45 مليار يورو سنويا خلال الفترة 2020-2024، بينما قد يكلف ضعف التكيف المملكة المتحدة ما بين 60 و260 مليار جنيه إسترليني سنويا بحلول عام 2050.

وستحقق العديد من الإجراءات تكلفتها عدة مرات. فعلى سبيل المثال، وفقا للمركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية، يمكن لكل يورو يُستثمر في الحماية من الفيضانات الساحلية أن يتجنب نحو 6.35 يورو من الأضرار، إلى جانب إنقاذ الأرواح وحماية موارد أخرى.

وتعد التكاليف المقدرة للتكيف صغيرة مقارنة بالمخاطر التي يمكن تجنبها والأضرار التي يمكن تفاديها. ولذلك، ينبغي النظر إلى التكيف مع تغير المناخ ليس باعتباره نفقات بيئية، بل استثمارا فعالا من حيث التكلفة وضروريا في الأمن القومي الأوروبي والاستقلالية الاستراتيجية.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية