في قلب العاصمة بودابست، وتحديداً بالقرب من ساحة باتياني، استيقظت قطعة أثرية من الماضي لتنبض بالحياة. دراجة نارية ألمانية من طراز DKW NZ-350-1، تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، انتشلت مؤخراً من نهر الدانوب، لتصبح محور اهتمام علماء الآثار والمؤرخين وعشاق التاريخ العسكري. إن العثور على بقايا من الماضي بحالة جيدة كهذه يُعد أمراً نادراً للغاية في أي مكان في العالم، ويثير تساؤلات حول الفترة المظلمة التي شهدت سقوط ما يقرب من 100 ألف جندي ألماني ومجري كضحايا في بودابست، في محاولة من الرايخ الثالث لكسب الوقت أمام تقدم السوفييت. كانت المجر، حتى ربيع عام 1944، بمنأى عن مسارح العمليات الحربية، فلم تصل الحرب إلى حدودها ولم تتعرض لقصف منهجي من الحلفاء. لكن هذا الهدوء المأساوي انكسر في 19 مارس 1944، عندما احتلت القوات المسلحة للرايخ الثالث المجر. لم يكن هذا الحدث كارثة على اليهود والمواطنين المجريين فحسب، بل شمل أيضاً الجنود الذين تم نشرهم في المجر لخدمة خطط هتلر. وفقاً للمقدم نوربرت زامفير، مدير أرشيف التاريخ العسكري في معهد ومتحف التاريخ العسكري، فإن الدراجة النارية قد تعود إلى إحدى أهم الوحدات الألمانية المحاصرة في بودابست: فرقة "فيلدهيرنهاله" المدرعة. ربما دخلت الدراجة إلى مخزون هذه الوحدة في سبتمبر 1944، عندما كانت لا تزال تحمل اسم "كتيبة المشاة المدرعة (آلية) فيلهيرنهاله"، وقبل تغيير اسمها إلى "كتيبة المشاة المدرعة فيلهيرنهاله" في أواخر ذلك العام. ومن المحتمل أن الدراجة، ومركبات أخرى تحمل شعار الوحدة، لم يتم إعادة طلائها بسبب ضيق الوقت. بالقرب من الدراجة، تم العثور على ألغام مضادة للدبابات وذخائر وبقايا جنديين ألمانيين. ويتذكر المؤرخ العسكري أنه خلال حصار بودابست، وبعد استسلام رأس الجسر في بيست في 18 يناير 1945، دافعت بقايا فرقة الفرسان التطوعية الثانية والعشرين من قوات "إس إس" عن ضفاف نهر الدانوب في بودا. وبما أن بطاقات الهوية للجنديين تشير إلى انتمائهما لهذه الوحدة، فمن المرجح أنهما لم يكونا مرتبطين مباشرة بالدراجة النارية، وربما سقطا في القتال أو تم إعدامهما في الموقع من قبل السوفييت. وقد أظهر فحص الدراجة أن ناقل حركتها كان عالقاً في الغيار الثاني، وأنه تعرض لحادث قبل 81 عاماً، لكن لا يمكن تحديد ما إذا كان هذا الحادث هو سبب سقوطه في الدانوب. ويستبعد المؤرخ فرضية غرق عبّارة، نظراً للوضع التكتيكي ونهر الدانوب المتجمد في ذلك الوقت. ويفترض أن الدراجة، التي كانت تستخدم غالباً في مهام الاتصال ونقل التقارير والأوامر، قد فقدت بالقرب من ضفة النهر أثناء أداء مهمة، وربما وصلت إلى الدانوب لاحقاً أثناء عمليات إزالة الحطام بعد انتهاء الحصار. إن هذه الدراجة النارية، التي تم إنتاج 12 ألف وحدة منها في عامي 1944-1945، تحمل في طياتها قصة معاناة وصمود. وبعد الحرب، تم تفكيك خطوط الإنتاج ونقلها إلى الاتحاد السوفيتي، حيث استمر إنتاجها. أما الآلات الألمانية الأصلية، فما زال القليل منها، حوالي 30 إلى 50 وحدة، موجوداً، بعضها بحالة شبه أصلية. وكانت هذه الدراجات جزءاً من وحدات المشاة الآلية الألمانية، التي لم تكن مجرد وحدات دعم فني، بل كانت تتمتع بقدرة قتالية كبيرة، مزودة بأسلحة ثقيلة وخفيفة ومدافع هاون وقاذفات لهب، مما يجعلها وحدات هجومية فعالة في المدن المحصنة مثل بودابست. من المؤكد أن هذه الدراجة النارية التي انتشلت من الدانوب أصبحت رمزاً لهذا الصراع الطويل والمعاناة التي خلفها. إنها بمثابة كبسولة زمنية، تعيدنا إلى الماضي وتكشف لنا عن تفاصيل الحرب من منظور مختلف. وبفضل هذه الاكتشافات، يمكن الآن تحديد هوية الجنديين الألمان، ومنح عائلاتهما بعض الراحة بعد 81 عاماً من الفقدان، وتمكينهما من الحصول على مراسم دفن لائقة. |