Najib Mikati
بحث

اراء

تأميم الإغاثة في صنعاء وخصخصتها في عدن: كيف تحولت المساعدات إلى أداة لإدارة النفوذ والحرب؟

نايف حمود العزي

|
منذ 13 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

لا تُصمم المساعدات الإنسانية عادةً لتكون أداة سلطة، بل كاستجابة مؤقتة لحماية المجتمعات من الانهيار. لكن في حروب اليمن الممتدة، لم تبقَ الإغاثة مجرد سلال غذائية، بل تحولت تدريجيًا إلى مورد اقتصادي سيادي يُعاد توظيفه داخل معادلات النفوذ والاستقرار.

اليوم، أصبحت الإغاثة جزءًا من الآلية التي تدير استمرار الحرب نفسها، عبر نموذجين متناقضين:

في صنعاء، جرى “تأميم الإغاثة” وإخضاعها لمنظومة رقابة مركزية صارمة، حوّلت المساعدات إلى ما يشبه “راتبًا سياسيًا” يُستخدم في الضبط الاجتماعي وإدارة الولاءات.

أما في عدن، فقد سادت “خصخصة الإغاثة”، حيث تفككت الموارد الإنسانية بين شبكات وسطاء ومقاولين ومراكز نفوذ متعددة، لتتحول المساعدات إلى اقتصاد عمولة يغذي نخبًا صاعدة أكثر مما يعيد بناء المؤسسات.

وفي الحالتين، لم تعد الإغاثة تُدار بوصفها استجابة إنسانية، بل بوصفها موردًا تتقاسمه سلطات الحرب وشبكات النفوذ، فيما يُترك المجتمع عالقًا بين الجوع والارتهان.


أولًا: حين تتحول الإغاثة إلى مورد سيادي

في البيئات المستقرة، يُنظر إلى المساعدات بوصفها دعمًا مؤقتًا يسد فجوات الطوارئ إلى حين استعادة الاقتصاد والمؤسسات قدرتها على العمل. لكن في الاقتصادات المنهكة بالحرب، تتحول الموارد الإنسانية تدريجيًا إلى مورد دائم يدخل في معادلة السلطة نفسها.

فالمساعدات لا تعني الغذاء فقط، بل تعني السيولة وفرص العمل والعقود وشبكات النقل وقوائم المستفيدين والقدرة على تهدئة المجال الاجتماعي.

ومع تراجع الإيرادات العامة وانهيار أجزاء واسعة من الاقتصاد الحقيقي، تصبح السيطرة على هذه الموارد أكثر أهمية من السيطرة على بعض القطاعات الإنتاجية نفسها، وهنا تتغير وظيفة الإغاثة بالكامل.

فبدل أن تكون أداة لعبور الأزمة، تتحول إلى مورد يُعاد عبره تنظيم النفوذ والاستقرار داخل مجتمع يعيش حربًا طويلة.


ثانيًا: صنعاء… تأميم الإغاثة وإعادة هندسة السيطرة

في المناطق الخاضعة لسلطة صنعاء، اتجهت إدارة الإغاثة نحو مركزية صارمة هدفت إلى إخضاع الموارد الإنسانية لمنظومة رقابة وتحكم متكاملة.

فالمنظمات لم تعد تتحرك بحرية كاملة، بل أصبحت تعمل داخل فضاء تنظيمي يحدد مسارات التدخل والتوزيع والشركاء المحليين وآليات الوصول إلى المستفيدين.

بهذا المعنى، تحولت المساعدات من نشاط إنساني إلى مورد سيادي يُعاد دمجه داخل بنية السلطة.

ومع انقطاع الرواتب وتراجع الاقتصاد الرسمي، بدأت الإغاثة تؤدي عمليًا دور “شبكة الأمان البديلة”، لكن ضمن نموذج تتحكم فيه السلطة بدرجة كبيرة، سواء عبر كشوفات المستفيدين، أو عبر شبكات التوظيف والتوريد والنقل المرتبطة بأموال المنظمات.
وهكذا، أصبحت السيطرة على الإغاثة جزءًا من السيطرة على الاستقرار الاجتماعي نفسه.

وفي هذا النموذج، لا تُستخدم المركزية لضبط الموارد فقط، بل لإعادة تشكيل الولاءات وربط المجتمع بمنظومة تعتمد بصورة متزايدة على التمويل الإنساني.


ثالثًا: عدن… خصخصة الإغاثة وتشظي النفوذ

على النقيض من نموذج صنعاء، تشكل اقتصاد الإغاثة في عدن داخل بيئة أكثر تشتتًا، تتعدد فيها السلطات المحلية ومراكز القرار وشبكات المصالح.

المساعدات هنا لا تمر عبر مركز واحد يحتكر إدارتها، بل تتحرك داخل فضاء مفتوح تتقاطع فيه المنظمات الدولية والسلطات المحلية والوسطاء والمقاولون والفاعلون التجاريون.

ومع هشاشة المؤسسات العامة، تحولت أجزاء واسعة من تنفيذ البرامج الإنسانية إلى السوق الخاصة، حيث نشأ تدريجيًا ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد العمولة”، القائم على العقود التشغيلية والوساطة والخدمات المرتبطة بالمنظمات.

وبمرور السنوات، لم تعد الإغاثة في عدن مجرد مورد إنساني، بل تدفقات مالية موزعة بين شبكات متعددة، لكل منها قدرتها الخاصة على الوصول إلى العقود أو التحكم بجزء من الموارد.

كما لعب التمويل المرتبط بالمنظمات دورًا إضافيًا داخل السوق النقدية، خصوصًا مع ضخ العملات الأجنبية والتحويلات المرتبطة بالبرامج الإنسانية، ما جعل الإغاثة تؤثر بصورة غير مباشرة في حركة السيولة وسوق الصرف.

وهكذا، إذا كانت صنعاء قد اتجهت إلى “تأميم الإغاثة”، فإن عدن اتجهت بصورة أقرب إلى “خصخصتها”، حيث تحولت المساعدات إلى مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ داخل اقتصاد هش ومتشظٍ.


رابعًا: الإغاثة كأداة لإدارة المجتمع

رغم اختلاف النموذجين، قاد كلاهما إلى نتيجة واحدة:
المساعدات لم تعد مجرد استجابة إنسانية، بل أصبحت جزءًا من آلية إدارة المجتمع أثناء الحرب.

في صنعاء، ساعدت مركزية الإغاثة على بناء الولاءات وربط التمويل الإنساني بمنظومة السيطرة السياسية.

وفي عدن، ساهم تشظي الإغاثة في إنتاج شبكات نفوذ متعددة تعتمد على استمرار المعونات والعقود المرتبطة بها.

وفي الحالتين، لم تعد العلاقة بين المواطن والموارد تمر بالكامل عبر الدولة أو الاقتصاد الإنتاجي، بل عبر اقتصاد إنساني موازٍ يتوسع كلما تراجعت قدرة الاقتصاد الحقيقي على العمل.

المفارقة الأخطر أن اتساع الإغاثة يقلل تدريجيًا من الضغط باتجاه إعادة بناء البنية الاقتصادية المنتجة، لأن المعونات أصبحت تؤدي وظيفة تأجيل الانهيار دون معالجة أسبابه الفعلية.


خامسًا: كيف تخدم الإغاثة استمرار الحرب؟

غالبًا ما يُنظر إلى المساعدات بوصفها أداة لتخفيف آثار الحرب، غير أن استمرارها لفترات طويلة داخل بيئة غير مستقرة قد يجعلها جزءًا من البنية التي تسمح للحرب بالاستمرار.

في صنعاء، تساهم مركزية الإغاثة في توفير مصدر دخل لطبقة مرتبطة ببنية السلطة، بما يسمح بإدارة المجال الداخلي رغم الانهيار الاقتصادي وتآكل الرواتب.

وفي عدن، تخلق الموارد الإنسانية اقتصادًا موازياً تستفيد منه شبكات واسعة من الوسطاء والمقاولين والفاعلين المحليين، بما يعيد إنتاج مصالح مرتبطة ببقاء الوضع القائم.

في الحالتين، لا تتحول المساعدات إلى جسر عبور نحو التعافي، بل إلى آلية لإدارة الأزمة وتمديد قدرتها على الاستمرار. وبمرور السنوات، أصبح جزء من الاستقرار الاجتماعي في اليمن قائمًا على استمرار التمويل الإنساني الخارجي، لا على الإنتاج أو الاقتصاد الوطني.

هنا لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل نظامًا اقتصاديًا يعيش جزئيًا على المعونات نفسها.


خاتمة: حين تصبح الإغاثة جزءًا من بنية الحرب

لا تبدو أزمة المساعدات في اليمن مجرد مسألة فساد أو سوء إدارة، بل تعبيرًا عن تحوّل أعمق أصاب العلاقة بين الحرب والاقتصاد والسلطة.

فالإغاثة التي دخلت بوصفها استجابة إنسانية مؤقتة، تحولت تدريجيًا إلى جزء من البنية التي يُدار عبرها المجتمع والموارد والاستقرار أثناء الحرب.

وفي هذا الواقع، لا يصبح الاختلاف بين صنعاء وعدن في طريقة إدارة الإغاثة—سواء عبر تأميمها أو خصخصتها—هو المسألة الأهم، لأن النتيجة النهائية تكاد تكون واحدة:

كلما تحولت المعونات إلى بديل دائم عن الاقتصاد الحقيقي، أصبحت الحرب أكثر قدرة على التكيف مع نفسها، وأقل ضغطًا للانتقال نحو سلام يعيد بناء الدولة والإنتاج والمؤسسات.

16/ 5/ 2026م

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية