|
A+
A-
مدخل: انهيار الدولة من توزيع نفسها في أدبيات الصراع وبناء الدولة، غالبًا ما تُقاس قوة الدولة بقدرتها على فرض السيطرة، واحتكار العنف، وإدارة المجال السياسي. غير أن هذا التصور، رغم أهميته، يفترض ضمنيًا أن الدولة ما تزال تعمل كإطار اقتصادي موحد للمجتمع. لكن في السياقات الهشة والممتدة الصراع—كما في اليمن—لا يظهر تآكل الدولة دائمًا في صورة انهيار كامل، بل في إعادة تشكيل داخلية لوظائفها الاقتصادية، تجعل الوصول إليها غير متكافئ بين الفاعلين. وهنا لا يكون السؤال: من يسيطر على الدولة؟ فالدولة لا تختفي حين تضعف، بل تتحول تدريجيًا من إطار عام لتنظيم الاقتصاد إلى بنية انتقائية للوصول إلى الموارد والفرص. ومن هذه الزاوية، تصبح استعادة الدولة أقل ارتباطًا باستعادة السيطرة، وأكثر ارتباطًا بإعادة توحيد منطق الجدوى الاقتصادية داخلها.
لا تعمل الدولة في السياقات المستقرة كسلطة فقط، بل كإطار موحد لتقليل كلفة المعاملات وتوزيع الفرص الاقتصادية بشكل متساوٍ نسبيًا بين الفاعلين. غير أن هذا الافتراض يتغير في البيئات الهشة، حيث لا تعود الدولة منظومة واحدة، بل تتحول إلى شبكة وصول غير متكافئة. وهكذا لا تعود الدولة إطارًا اقتصاديًا موحدًا، بل تصبح وسيطًا يعيد إنتاج التفاوت داخل الاقتصاد نفسه.
في الحالة الطبيعية، تعمل الدولة كمنظومة واحدة: لكن في السياقات المنقسمة أو الهشة، تتعدد “الدولة الاقتصادية” داخل المجال نفسه. فتظهر ثلاثة مستويات متداخلة: هذا التعدد لا يعني فقط وجود اقتصاد موازٍ، بل يعني أن الدولة نفسها لم تعد تحدًا فاصلاً بين الرسمي وغير الرسمي، بل أصبحت جزءًا من البنية الاقتصادية غير المتكافئة. وفي الحالة اليمنية، يتجلى ذلك في التفاوت الكبير بين الفاعلين في: ما يجعل الدولة أقرب إلى “منظومة توزيع انتقائي” منها إلى إطار اقتصادي موحد.
القراءة الشائعة تعتبر أن المشكلة الأساسية هي انسحاب المجتمع من الاقتصاد المنظم أو من الدولة. لكن الزاوية الأكثر دقة هي أن: وبالتالي، لا يمكن فهم التحولات الاقتصادية باعتبارها خروجًا من الدولة فقط، بل باعتبارها: إعادة توزيع للعلاقة مع الدولة نفسها.
في هذا السياق، لا تكون الدولة مجرد ضحية للتفكك الاقتصادي، بل تصبح جزءًا من إنتاجه. فبدل أن تعمل على تقليل الفوارق في كلفة المعاملات، قد تساهم في: إعادة إنتاج الامتيازات، وتوسيع الفجوة بين الفاعلين، وتكريس اختلاف القدرة على الامتثال. ومع الوقت، يصبح الاقتصاد أقل ارتباطًا بوحدة الدولة، وأكثر ارتباطًا بمستويات الوصول داخلها. وهنا تتحول الدولة من: إطار تنظيمي موحد إلى: منظومة تفاوت اقتصادي بنيوي.
إذا كانت الدولة قد فقدت وظيفتها كإطار اقتصادي موحد، فإن استعادتها لا تعني فقط إعادة السيطرة أو توسيع النفوذ المؤسسي. بل تعني بشكل أعمق: ويشمل ذلك أيضًا إعادة توحيد الوصول إلى الخدمات الأساسية بوصفها جزءًا من الجدوى الاقتصادية للدولة نفسها؛ فالكهرباء، والطرق، والتعليم، والخدمات المالية، واستقرار سعر الصرف، ليست مجرد خدمات منفصلة، بل مؤشرات على قدرة الدولة على العمل كإطار عام يخدم الجميع، لا كمنظومة امتيازات مرتبطة بالقرب من مراكز النفوذ. فالدولة لا تُستعاد حين تستعيد سلطتها فقط، بل حين تستعيد قدرتها على أن تكون إطارًا اقتصاديًا موحدًا يمكن للجميع العمل داخله بشروط متقاربة.
لا يمكن فهم أزمة الدولة في السياقات الهشة بوصفها أزمة سيطرة فقط، بل بوصفها أزمة في وحدة منطقها الاقتصادي. فحين تتحول الدولة إلى منظومة وصول غير متكافئ، لا يعود السؤال: كيف تستعيد السيطرة؟ وفي هذا المعنى، لا تبدأ استعادة الدولة من القوة، فالدولة لا تُستعاد حين يعود الناس إليها، بل حين تعود لتكون إطارًا اقتصاديًا يضمن حدًا متقاربًا من الوصول إلى الفرص والخدمات والاستقرار، بحيث يصبح وجود الدولة مصلحة عامة للجميع، لا امتيازًا لفئة دون أخرى. |