Najib Mikati
بحث

اراء

خديعة اللجان: كيف نُشرعن الفشل ونُغذي الاقتصاد الطفيلي؟

نايف حمود العزي

|
منذ ساعتين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

تُعد لجان الطوارئ في الفقه الإداري أداةً استثنائية تُفعّل في لحظات الاختلال الحاد بهدف تسريع القرار وتجاوز التعقيدات البيروقراطية، ضمن منطق “إدارة الاستثناء” في الدولة الحديثة. غير أن هذا المنطق يفترض ضمنًا وجود بنية مؤسسية قادرة على استعادة توازنها بعد انتهاء الأزمة، وأن الاستثناء يظل حالة مؤقتة محكومة بحدود زمنية ووظيفية واضحة.

غير أن هذا التصور يقوم على افتراض أعمق، يتمثل في وجود مركز قرار متماسك قادر على تعليق القواعد ثم إعادة تفعيلها، وفي قدرة المؤسسات—even حين تضعف—على الحفاظ على حد أدنى من التنسيق عند الضرورة.

في الحالة اليمنية، لا يبدو هذا الافتراض قائمًا بالقدر ذاته. فالمؤسسات لا تعاني من بطء إجرائي فقط، بل من انقسام في المرجعيات، وتداخل في الصلاحيات، وتعدد في مراكز القرار، ما يجعل فكرة “الاستثناء” نفسها محل إشكال بنيوي.

ضمن هذا السياق، لا يعود السؤال: هل نحتاج إلى لجنة طوارئ؟
بل يصبح: هل يمكن أصلًا إنتاج لجنة طوارئ فعّالة في اقتصاد بلا مركز قرار موحد؟
أم أن هذه الدعوات تعكس، في جوهرها، عجزًا بنيويًا أعمق في بنية النظام؟

أولًا: من منطق المؤسسة إلى منطق “غرفة العمليات”

تعكس الدعوات لتشكيل لجنة طوارئ انتقالًا ضمنيًا من إدارة الاقتصاد عبر المؤسسات الدستورية إلى إدارته عبر “غرف عمليات” استثنائية. هذا التحول لا يعكس قوة الدولة، بل يكشف محاولة للالتفاف على حدودها المؤسسية.

فعندما تصبح كلفة التنسيق بين مؤسسات منقسمة—مثل البنوك والوزارات والهيئات التنظيمية—أعلى من كلفة تجاوزها، يُعاد إنتاج فكرة “اللجنة” كحل بديل. غير أن الإشكال الجوهري يبقى قائمًا: في بيئة تفتقر إلى قاعدة مؤسسية موحدة، هل يمكن لمثل هذه اللجان أن تؤدي وظيفة تنسيقية حقيقية؟ أم أنها تتحول إلى واجهة لإعادة توزيع السلطة بين مراكز النفوذ القائمة؟

إن غياب مركز قرار موحد يجعل من أي لجنة طوارئ بنية هشة، محدودة الفاعلية، ومقيدة بواقع سياسي ومؤسسي متشظٍ.

ولا يعني ذلك أن الأدوات الاستثنائية محكومة بالفشل المطلق؛ إذ تُظهر التجارب المقارنة أن اللجان قد تنجح جزئيًا في مهام فنية ضيقة ومحددة زمنيًا، شرط توفر مرجعية سياسية موحدة ودرجة عالية من الشفافية. غير أن الحالة اليمنية تُحوّل هذا الاستثناء إلى احتمال نادر، حيث تنتقل اللجنة من أداة تقنية إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ، بما يجعل الفشل هو النمط الغالب.

وبذلك، لا تُعبّر لجنة الطوارئ عن قوة الدولة، بل عن إعادة إنتاج ضعفها بصيغة مؤسسية مختلفة.

ثانيًا: الطوارئ الدائمة بين الضرورة المؤسسية وتآكل الشرعية

في السياقات الاقتصادية المستقرة، تُعدّ الطوارئ حالة استثنائية ومؤقتة. أما في بيئات الحرب والهشاشة المؤسسية، فإنها تتحول تدريجيًا إلى نمط إدارة دائم.

لا يكمن الإشكال في وجود اللجان بحد ذاتها، بل في انتقال القضايا البنيوية—مثل سعر الصرف والسيولة—من نطاق السياسات العامة إلى نطاق القرارات الاستثنائية. هذا التحول يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ“تجميد المسؤولية”، حيث تتداخل أدوار التصميم والتنفيذ والرقابة داخل كيان واحد.

ومع غياب إطار تشريعي واضح، تتآكل حدود الشرعية المؤسسية، وتتحول اللجنة إلى مركز قرار موازٍ يعيد إنتاج التشظي بدلاً من تجاوزه، فيما تصبح “السرعة” مبررًا لتراجع آليات المساءلة.


ثالثًا: الحرب الإقليمية ذريعة لشرعنة العجز

لا يمكن قراءة الدعوات لتشكيل “لجنة طوارئ” بمعزل عن السياق الإقليمي المشحون. فالمدافعون عنها يتذرعون بأن الحرب الإقليمية تفرض واقعًا يتجاوز المؤسسات التقليدية، مما يجعل وجود اللجنة ضرورة لا ترفًا.

لكن هذا الطرح يغفل أن الحرب، مهما بلغت حدتها، لا تلغي الحاجة إلى المرجعية المؤسسية، بل تضاعفها.

إن استخدام الحرب كذريعة لإنشاء هياكل موازية لا يؤدي إلا إلى تمييع المسؤولية؛ فبدل أن تُسأل المؤسسات عن تقصيرها، يُصبح الجميع في انتظار توصيات اللجنة. وهكذا تتجاوز هذه الدعوات فكرة التنسيق لتتحول إلى هروب من مواجهة التفكك البنيوي، عبر خلق “سراب مؤسسي” يمنح صناع القرار وهم السيطرة، بينما تظل مفاصل الاقتصاد رهينة التجاذبات السياسية.


رابعًا: تكلفة الطوارئ—حين تُنتج اللجان اقتصادها الخاص

لا تقتصر آثار لجان الطوارئ على تسريع القرار، بل تمتد إلى إعادة تشكيل بنية الحوافز داخل الاقتصاد، بما يؤدي إلى نشوء نمط من “الاقتصاد الطفيلي”—أي اقتصاد يعيد توزيع القيمة بدل إنتاجها.

في هذا السياق، تتشكل حول هذه اللجان شبكات مصالح تعتمد على استمرارية حالة الطوارئ، وترتبط مباشرة بقراراتها، خصوصًا في مجالات مثل تخصيص العملة الصعبة، وتنظيم الاستيراد، وتحديد أولويات التوريد.

وبمرور الوقت، تتحول اللجنة من أداة تنظيمية إلى مركز لتوزيع الريع الاستثنائي، تُعاد من خلاله هندسة الوصول إلى الموارد بشكل غير متكافئ بين الفاعلين الاقتصاديين.

وبذلك، تصبح الطوارئ ليست مجرد استجابة ظرفية، بل مدخلًا لإنتاج بنية اقتصادية قائمة على الامتياز لا على الإنتاجية. ويصبح المستفيدون من هذا النمط أكثر الأطراف حرصًا على استمرار حالة الاستثناء، باعتبارها شرطًا لاستدامة مصالحهم، وهو ما يرفع من الكلفة البنيوية لأي محاولة لتقنين هذه اللجان أو تقليص دورها.


خامسًا: دروس من التجربة—حين ترحل اللجان وتبقى الأزمات

لا تنفصل الدعوات الحالية لتشكيل “لجنة طوارئ” عن تجارب سابقة، وإن كانت محدودة الأثر. فقد شهدت الحالة اليمنية تجربة “اللجنة الاقتصادية” التي شُكّلت بقرار رئاسي بهدف تنسيق القرار ومعالجة الاختلالات.

غير أن مسار هذه التجربة يكشف حدود هذا النمط المؤسسي.

فبدل أن تُحدث اللجنة اختراقًا في البنية المؤسسية، انحصرت مخرجاتها ضمن الإطار البيروقراطي القائم، حيث بقيت القرارات في مستوى التوصيات العامة دون أن تتحول إلى أدوات تنفيذية فعّالة.

كما لم تُسهم في تحسين مستدام للمؤشرات الأساسية، سواء في استقرار سعر الصرف أو احتواء التضخم أو انتظام تدفقات السلع، ما يعكس محدودية هذا النموذج في التعامل مع أزمات مركبة.

الأهم أن وجود اللجنة لم يُعزّز وضوح المسؤولية، بل أدى إلى إعادة توزيعها بصورة غير مباشرة، بحيث أصبح من الصعب التمييز بين حدود المؤسسات واللجنة، وهو ما يمكن وصفه بـ“تجميد المسؤولية المؤسسية”.

ومع تكرار هذا النمط، تتحول اللجان إلى آلية لإعادة تمرير القرار خارج أطر المساءلة التقليدية، لا نتيجة تصميم مقصود، بل كأثر بنيوي لطبيعة هذا النوع من الهياكل.

وعليه، يبقى السؤال قائمًا: إذا كانت لجنة قائمة بالفعل لم تُحدث اختراقًا مؤثرًا، فما الذي يمكن أن تضيفه لجنة طوارئ جديدة في بيئة لم تتغير بنيتها المؤسسية؟

خاتمة: هل تُبنى الحلول خارج المؤسسات؟

لا يفتقر الاقتصاد اليمني إلى الأدوات، بل إلى الإطار المؤسسي القادر على تفعيلها. فالتحدي لا يكمن في استحداث لجان جديدة، بل في إعادة تشغيل البُنى القائمة، وعلى رأسها “مجلس التنسيق المالي والنقدي” الذي ما يزال قائمًا قانونيًا لكنه معطّل بفعل غياب الإرادة السياسية.

إن جوهر الإشكال يكمن في تفعيل الموجود لا في استبداله. فتمكين المؤسسات من ممارسة صلاحياتها القانونية—بما في ذلك الأدوات الاستثنائية المنصوص عليها في قانون البنك المركزي—يبقى أكثر استدامة وأقل كلفة من إنتاج هياكل موازية تزيد من تشظي القرار.

وفي هذا السياق، يعكس تعطيل الأطر القائمة تفضيلًا سياسيًا لأدوات “اللجان الاستثنائية”، لما تمنحه من قدرة على التحكم المباشر بالقرار، مقابل ما تفرضه المؤسسات من تقاسم للمسؤولية ومساءلة.

وفي النهاية، قد لا تكون لجنة الطوارئ حلًا للأزمة بقدر ما تعيد إنتاجها داخل صيغة مؤسسية أكثر انتظامًا، دون أن تخرج من بنيتها العميقة.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية