|
A+
A-
تشير بعض المؤشرات الاقتصادية في عدن إلى تحسن نسبي في بعض المتغيرات الكلية، سواء على مستوى استقرار سعر الصرف خلال فترات معينة، أو انتظام جزئي في تدفقات السلع، أو محاولات ضبط المالية العامة ضمن برنامج إصلاحي قائم. غير أن هذا التحسن، رغم حضوره في البيانات والمؤشرات، لا ينعكس بذات الوضوح في الحياة اليومية للسكان. ففي واقع السوق، لا تزال الأسعار مرتفعة، والقدرة الشرائية تتآكل، وكلفة المعيشة تواصل الصعود، بما يجعل الفجوة بين ما يُعلن كتحسن اقتصادي، وما يُعاش كواقع معيشي، أكثر اتساعًا. في هذا التباين، لا تبدو المشكلة في غياب التحسن، بل في مساره واتجاهه، وفي الكيفية التي يُعاد توزيع أثره داخل الاقتصاد. ومن هنا، لا يُطرح السؤال حول وجود تحسن اقتصادي من عدمه، بل حول: لماذا لا يتحول هذا التحسن إلى أثر ملموس في حياة الناس؟
أولًا: تحسن في المؤشرات… لا في النتائج في الاقتصادات المستقرة، يُفترض أن يؤدي تحسن المؤشرات الكلية إلى نتائج مباشرة على مستوى المعيشة، عبر انخفاض الأسعار أو تحسن الدخول أو استقرار الأسواق. غير أن هذا الترابط لا يعمل بالضرورة في اقتصاد مثل عدن. فالتحسن الذي يحدث في بعض المؤشرات—كاستقرار نسبي في سعر الصرف (EX) أو تحسن تدفقات السلع—يبقى محصورًا في نطاق ضيق، ولا يمتد إلى كامل الدورة الاقتصادية. وبذلك، لا يتحول إلى تحسن شامل، بل يظل تحسنًا جزئيًا لا يغير من طبيعة السوق. كما أن هذا التحسن يظل محصورًا داخل القنوات التي يُقاس فيها، ولا يمر عبر القنوات التي تُسعِّر السوق فعليًا. فالمؤشرات تعكس ما يحدث داخل الإطار الرسمي، بينما تتشكل الأسعار عند نقطة التقاء ثلاث قوى: تكلفة الاستيراد، وهوامش التحوط، وسلوك التسعير في السوق الموازي. وعندما تكون نقطة القياس مختلفة عن نقطة التسعير، ينفصل المؤشر عن النتيجة، ويصبح التحسن “محسوبًا” دون أن يكون “مُعاشًا”.
ثانيًا: لماذا لا يشعر الناس بأي تحسن اقتصادي؟ تكمن الإجابة في طبيعة الاقتصاد نفسه، لا في المؤشرات التي تعكسه. ففي عدن، لا تنتقل آثار التحسن بشكل مباشر إلى المستهلك، بل تمر عبر سلسلة من التشوهات: • تعدد مراكز التسعير • هيمنة قنوات غير رسمية على التداول • تسعير قائم على التوقعات لا على التكلفة الحالية لفهم ذلك بدقة، يجب النظر إلى آلية انتقال الأثر. ففي الحالة الطبيعية، ينتقل أي تحسن عبر ثلاث حلقات: انخفاض تكلفة الاستيراد، ثم إعادة تسعير الجملة، ثم انتقال الأثر إلى التجزئة. في عدن، تتعطل هذه الحلقات تباعًا. أولًا، لا يُعاد تسعير المخزون القائم، بل يُسعَّر على تكلفة متوقعة للشحنة القادمة، ما يبقي الأسعار مرتفعة حتى مع تحسن سعر الصرف. ثانيًا، تُضاف هوامش تحوط لمواجهة تقلبات مستقبلية، فتُمتص أي مكاسب قصيرة الأجل قبل أن تصل إلى السوق. ثالثًا، يضعف دور المنافسة، فلا يوجد ضغط فعلي يجبر السوق على خفض الأسعار. وبذلك، لا يغيب أثر التحسن لأنه غير موجود، بل لأنه: يتبدد داخل بنية سوق لا تنقل الإشارات الاقتصادية بشكل سليم
ثالثًا: تضخم متراكم لا يستجيب للتحسن لا يرتبط التضخم في عدن بزيادة الطلب بقدر ما يرتبط بصدمات الكلفة وتدهور العملة خلال فترات سابقة. ومع تراكم هذه الصدمات، تكتسب الأسعار صلابة واضحة تجاه الانخفاض. فحتى عند حدوث تحسن نسبي، لا تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة، لأن: • التكاليف المرتفعة تتحول إلى أساس دائم للتسعير • التوقعات تبقى محكومة بعدم اليقين • المخاطر تُسعَّر مسبقًا داخل السوق ومع ذلك، لا يمكن فهم هذا السلوك بمعزل عن البيئة التي يعمل فيها التاجر. فالتقلبات المستمرة في سعر الصرف ومخاطر التوريد تجعل التحوط أقرب إلى آلية بقاء منه إلى سلوك ربحي، ما يعني أن هذا النمط ليس قرارًا فرديًا بقدر ما هو استجابة لبيئة غير مستقرة. هذا الواقع يعكس ما يُعرف بجمود الأسعار نحو الأسفل، حيث تستجيب الأسعار سريعًا للارتفاع، لكنها تقاوم الانخفاض حتى مع تحسن الظروف. فالسعر لا يُبنى على التكلفة الحالية، بل على توقعات المخاطر، ومع كل موجة ارتفاع يُعاد تثبيت مستوى سعري جديد يصبح مرجعًا لاحقًا. ومع ارتفاع سرعة دوران النقد في القنوات غير الرسمية، تُثبَّت هذه المستويات بسرعة أكبر، ما يجعل أي تحسن في سعر الصرف غير قادر على إحداث تصحيح فعلي. وبذلك، لا يعمل التحسن كقوة تصحيح، بل يظل محدود التأثير أمام تضخم متراكم.
رابعًا: الاقتصاد الموازي واحتجاز أثر التحسن في ظل توسع الاقتصاد الموازي، لا تمر التدفقات النقدية عبر القنوات الرسمية، بل عبر شبكات تتحكم في توزيع السيولة وتوجيهها. هذا الواقع يجعل جزءًا كبيرًا من أي تحسن اقتصادي يُحتجز داخل هذه الشبكات، ولا ينتقل إلى السوق الواسع. فبدل أن يتحول التحسن إلى انخفاض في الأسعار أو توسع في النشاط، يُعاد توزيعه داخل نطاقات ضيقة. في هذا الإطار، لا يعمل الاقتصاد الموازي كبديل فقط، بل كآلية امتصاص للأثر. فجزء من السيولة يُعاد توجيهه إلى المضاربة، وجزء يُحتجز كتحوط، وجزء يُعاد تدويره داخل شبكات محدودة، ما يؤدي إلى احتجاز أثر التحسن قبل وصوله إلى المستهلك. وبذلك، لا يصبح السؤال: لماذا لا يتحسن الاقتصاد؟ بل: أين يذهب أثر هذا التحسن؟
خامسًا: فجوة بين السياسات والواقع تحاول برامج الإصلاح المالي معالجة الاختلالات عبر أدوات تقليدية—ترشيد الإنفاق، وتعزيز الإيرادات، وتحسين إدارة الموارد—غير أن هذه الأدوات تعمل داخل الإطار الرسمي، بينما يتحرك جزء كبير من الاقتصاد خارجه. تكمن الفجوة في اختلاف نطاق التطبيق عن نطاق التأثير. فالإصلاح المالي يضبط ما يمكن للدولة قياسه، لكنه لا يضبط المسارات التي تتشكل فيها الأسعار فعليًا. ومع بقاء جزء معتبر من التدفقات خارج القنوات الرسمية، يصبح أثر الإصلاح محدودًا في نطاق ضيق، ولا يمتد إلى السوق الأوسع. وهنا تتشكل مفارقة واضحة: السياسات تعمل… لكن في مساحة لا تحدد النتائج النهائية غير أن تقليص هذه الفجوة يتطلب تحسين قنوات انتقال الأثر نفسها، عبر ربط المنظومات الرقمية ببيانات أسعار التجزئة، وتعزيز أدوات رقابة شفافة تكشف هوامش التسعير، بما يقلل الفجوة بين تكلفة الاستيراد والسعر النهائي.
خاتمة لا تعكس المفارقة بين تحسن المؤشرات وتدهور المعيشة خللًا في البيانات بقدر ما تكشف عن خلل في بنية الاقتصاد ذاته. ففي اقتصاد مجزأ، ومفتوح على صدمات خارجية، وتتحرك فيه السيولة خارج القنوات الرسمية، لا يكفي تحقق التحسن على مستوى المؤشرات ليُترجم إلى واقع معيشي أفضل. وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في غياب التحسن، بل في انقطاع مساره قبل أن يصل إلى نقطة التسعير. وبذلك، لا يكون التحدي في تحقيق التحسن فحسب، بل في: ضمان وصول أثره إلى حيث يُفترض أن يصل إلى السوق… وإلى الناس. 15/4/2026 |