Najib Mikati
بحث

اراء

اقتصاد الحرب في زمن السلام: تفكيك وهم النهاية (اليمن نموذجًا)

نايف حمود العزي

|
منذ ساعتين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

 مفارقة السلام في اقتصاد الحرب

تفترض معظم مقاربات ما بعد النزاع أن توقف القتال يمثل بداية التراجع الطبيعي لاقتصاد الحرب. غير أن تجارب عدد من الدول التي شهدت صراعات ممتدة — من اليمن إلى ليبيا والسودان وأفغانستان — تكشف مفارقة مختلفة: ففي لحظات «اللا حرب»، أو ما يُعرف في أدبيات السلام بـ«السلام السلبي»، لا يختفي اقتصاد الحرب، بل يعيد تموضعه ضمن آليات أقل صخبًا وأكثر رسوخًا.

مع انحسار العنف المباشر، يعيد اقتصاد الحرب  تموضعه من السيطرة العسكرية إلى هيمنة مالية ومؤسسية تُدار عبر شبكات نفوذ، فتتراجع مركزية القوة المسلحة لصالح أدوات أكثر نعومة واستدامة.

من هنا، لا يعود السؤال الأساسي هو: كيف تنتهي الحرب؟

بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا يستمر منطقها الاقتصادي حتى بعد تراجع كلفته السياسية والعسكرية؟

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن اقتصاد الحرب ليس مجرد أنشطة مرتبطة بالقتال، بل منظومة حوافز ومؤسسات غير رسمية تعيد تشكيل الإنتاج والتوزيع والجباية بما يخدم استدامة السلطة والريع. وعندما تتوقف المعارك دون تفكيك هذه المنظومة، فإن السلام لا يقود بالضرورة إلى إنهاء اقتصاد الحرب، بل قد يوفر له بيئة أكثر استقرارًا لإعادة تكريس نفسه بآليات مغايرة.

لذلك، لا يناقش هذا المقال أسباب اندلاع الصراع أو تفاصيل إدارته اليومية، بل ينتقل إلى مستوى تحليلي أعمق: كيف يستمر اقتصاد الحرب بعد توقف القتال؟ وكيف يمكن أن يتحول السلام ذاته إلى إطار يعيد استنساخ الصراع الاقتصادي بوسائل أقل عنفًا وأكثر مؤسسية.

 

أولًا: اقتصاد الظل المنظم: آليات البقاء والترسّخ

في المراحل الأولى للصراعات المسلحة غالبًا ما يُقدَّم اقتصاد الحرب بوصفه «اقتصاد ضرورة» نتيجة انهيار مؤسسات الدولة: جبايات استثنائية، ترتيبات مالية مؤقتة، وآليات بديلة لضمان تدفق الموارد في ظل غياب السلطة المركزية. غير أن هذا التصور يفترض ضمنيًا أن هذه الترتيبات ستبقى مؤقتة بطبيعتها.

لكن التجارب المقارنة تشير إلى مسار مختلف؛ فمع مرور الوقت لا تترسخ هذه الممارسات فحسب، بل تتحول تدريجيًا إلى بنية اقتصادية مستقرة نسبيًا. تتشكل شبكات تحصيل واضحة، وقنوات توزيع شبه منتظمة، وتحالفات اقتصادية-أمنية تتحكم بتدفق الموارد داخل دوائر مغلقة.

عند هذه المرحلة، لا يعود اقتصاد الحرب مجرد نشاط اقتصادي طارئ، بل يتخذ شكل ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد ظل منظم»؛ اقتصاد خارج الأطر القانونية الرسمية لكنه يمتلك قواعد عمل مستقرة وآليات داخلية للضبط وإعادة توزيع المنافع.

تكمن خطورة هذه المرحلة في أن هذا الاقتصاد يطور آليات دفاع ذاتي، إذ يعيد توزيع الريع لضمان ولاء الفاعلين الرئيسيين، ويحوّل أي محاولة لضبط الجباية أو توحيد الإيرادات إلى تهديد مباشر لبنية مصالح مترسخة. مع ترسخ الشبكات، لا يعتمد اقتصاد الحرب على استمرار العنف فقط، بل يصبح شرطًا لاستمرار الصراع نفسه، متكيفًا مع فترات التهدئة وانخفاض القتال، وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح عملية تفكيك اقتصاد الحرب أكثر تعقيدًا من مجرد إيقاف العمليات العسكرية.

 

ثانيًا: لماذا يصبح السلام تهديدًا اقتصاديًا؟

تفترض الأدبيات الكلاسيكية لمرحلة ما بعد النزاع أن السلام يفتح المجال لإعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة. غير أن هذا الافتراض يتجاهل سؤالًا حاسمًا: من الذي يخسر من عودة القواعد المؤسسية الطبيعية للاقتصاد؟

في سياقات اقتصاد الحرب، لا نشهد لامركزية مؤسسية بالمعنى الاقتصادي، بل شكلًا من التفتّت السيادي تتحول فيه الجباية والإدارة المالية إلى مراكز إيرادية متعددة تعمل خارج إطار وطني موحّد. في مثل هذه البيئات، لا يكون غياب الرقابة مجرد خلل إداري، بل مصدرًا مباشرًا للربح، بينما يتحول تعدد السلطات إلى آلية لإعادة توزيع المنافع الاقتصادية بين شبكات النفوذ.

هذا التفتت لا ينتج انقسامًا ماليًا فحسب، بل يعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة. فمع الوقت تنشأ أنماط ارتباط اقتصادي محلي، حيث يرتبط دخل الأفراد وخدماتهم بالسلطات المسيطرة على مناطقهم، لا بمؤسسات الدولة الوطنية. وبهذه الطريقة، تتشكل اقتصادات محلية شبه مغلقة تضعف فيها الروابط الاقتصادية الوطنية وتتآكل معها فكرة السوق الموحدة.

في هذا التوازن المشوَّه، لا تكون الدولة وحدها الخاسر. فالضحية الأوسع هو المجتمع، الذي يتحمل كلفة استدامة النظام عبر التضخم، تدهور الخدمات العامة، وتآكل القوة الشرائية. ومع تعدد مراكز الجباية وغياب الرقابة المؤسسية، يتحول المجتمع تدريجيًا إلى رهينة اقتصاد الاستخلاص، مجبرًا عمليًا على تمويل شبكات السلطة التي أعادت تشكيل الاقتصاد خلال الحرب عبر الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار.

في المقابل، تبقى شبكات الاستخلاص المالي بمنأى نسبيًا عن المساءلة، مستفيدة من غياب المؤسسات الموحدة وقدرتها على التحكم بتدفقات الإيرادات. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الشبكات إلى بنية مصالح راسخة ترى في أي محاولة لتوحيد المؤسسات المالية أو ضبط الجباية تهديدًا مباشرًا لمصادر قوتها. لذلك، غالبًا ما يُنظر إلى مسارات السلام بوصفها عملية نزع امتيازات اقتصادية، لا مشروع بناء دولة، حيث يتحول السلام من وعد بالاستقرار إلى مخاطرة تهدد البنية الريعية التي نشأت خلال سنوات الحرب.

 

ثالثًا: كيف يُعاد إنتاج الصراع اقتصاديًا

بعد توقف القتال، اقتصاد الحرب يعيد تشكيل نفسه داخل بنية السلام الهش. ففي غياب تفكيك حقيقي لمنظومة الحوافز التي نشأت خلال الحرب، تنتقل ديناميات الصراع من ساحات المعارك إلى المجال الاقتصادي والمؤسسي عبر ثلاث قنوات رئيسية:

1. الصراع الإيرادي والحدود الاقتصادية

الجباية لم تعد مجرد أداة لتمويل السلطة، بل تحولت إلى وسيلة لترسيم حدود اقتصادية غير رسمية. ويتجلى هذا بوضوح في اليمن من خلال تعدد أسعار الصرف بين المناطق، فوارق التحويل والتسعير، الجمارك الداخلية، ووجود نقاط اتاوات على حركة السلع.

هذه الاختلافات في الأسعار لا تعكس السوق الطبيعية، إنما نتيجة تدخلات متعددة من سلطات محلية وشبكات نفوذ مختلفة، ما يجعل الأسعار أداة لإعادة توزيع السلطة والريع بين مراكز النفوذ المختلفة.

هكذا تتشكل خرائط مالية موازية تفصل المناطق اقتصاديًا حتى بدون حدود سياسية معلنة، وبذلك، لم يعد الانقسام يُفرض بالسلاح، وإنما عبر إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية للبلاد باستخدام الأسعار والسيطرة على الموارد.

2. الصراع المؤسسي

المؤسسات المنقسمة في اقتصاد ما بعد الحرب لا تعمل بوصفها أدوات لإدارة الدولة، بل تتحول إلى واجهات متنافسة تمارس وظائف متشابهة ضمن أطر قانونية وإدارية مختلفة. كل سلطة تطور منظومتها الخاصة من القوانين واللوائح والبيانات المالية، ما يخلق أنظمة اقتصادية متوازية.

في الظاهر يبدو المشهد مؤسسيًا ومنظمًا، لكن الجوهر يستمر كحرب باردة تُدار باللوائح والبيانات، حيث يتنافس كل طرف على تثبيت شرعيته المالية والتحكم بالموارد والإيرادات، ليظل الانقسام المؤسسي آلية دائمة لإعادة إنتاج الصراع حتى في غياب العنف المباشر.

3. الصراع الاجتماعي المؤجل

أثر اقتصاد الحرب يمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها. سنوات الصراع غالبًا ما تنتج طبقة من أثرياء الحرب الجدد الذين راكموا الثروة عبر السيطرة والوساطة الاقتصادية، في مقابل مجتمع واسع استنزفت الحرب دخله ومدخراته وخدماته الأساسية.

مع غياب سياسات إعادة توزيع فعّالة، يتكرر هذا التفاوت ويصبح مصدر توتر اجتماعي متصاعد، حيث يتحول السلام إلى بيئة خصبة لاضطرابات اجتماعية جديدة عند أول صدمة اقتصادية أو سياسية.

 

رابعًا: وهم الانتقال الاقتصادي (لمسة واقعية)

تكمن إشكالية مرحلة ما بعد الحرب ليس في نقص الموارد، بل في طبيعة البنية المؤسسية التي توجه التمويل وتحدد المستفيدين منه. حتى اللحظات الواعدة قد تتحول إلى آليات لإعادة تدوير الصراع الاقتصادي بصيغ جديدة، حيث تظل شبكات الحرب نفسها المستفيد الأساسي من الدعم الخارجي.

ينشأ عن ذلك اقتصاد استهلاكي مشوه يعتمد بشكل كامل على الخارج، ويصبح أي توقف مستقبلي للمساعدات مرادفًا لانهيار معيشي، مما يزيد من ارتهان المجتمع لشبكات النفوذ ويضعف قدرته على الاستقلالية الاقتصادية.

يمكن ملاحظة ما يشبه “الأثر الهولندي لإعادة الإعمار”: ارتفاع الأسعار والأجور في قطاعات محدودة مرتبطة بالمقاولين وشبكات الوساطة، بينما يتآكل الدخل الحقيقي لغالبية الأسر. ومع الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي، تتراجع القطاعات الإنتاجية المحلية، مثل الزراعة والصناعات الصغيرة، بشكل متزايد.

الأثر الأخطر هو إعادة تركيز النشاط الاقتصادي حول قطاعات الريع المرتبطة بتمويل الإغاثة وإعادة الإعمار، حيث تتحكم شبكات النفوذ في قنوات الاستيراد والخدمات اللوجستية. حتى بيروقراطية المساعدات الدولية تتكيف تدريجيًا مع هذه الشبكات، فتتحول من قوة محتملة لكسر اقتصاد الحرب إلى جزء من بيئته المستقرة.

 

خامسًا: من إدارة الحرب إلى تفكيك منطقها

الخلاصة المركزية هي أن اقتصاد الحرب لا ينهار تلقائيًا بانتهاء القتال، بل يتطلب:

1. استهداف شبكات التحصيل والامتيازات لا مجرد توحيدها شكليًا.

2. نقل الكلفة من المجتمع إلى مراكز القوة، لضمان فعالية الإصلاح.

3. إعادة تعريف الاستقرار بوصفه سيادة القانون وعدالة توزيع الموارد، لا مجرد انتظام الجباية أو استمرار الخدمة الجزئية.

التفكيك الناجح لمنطق اقتصاد الحرب يتطلب مواجهة استراتيجية مع بنية مصالح راسخة، وشجاعة السلطة لتحمل كلفة الصدام مع هذه الشبكات. بدون ذلك، سيظل الصراع قائمًا، حتى لو صمتت البنادق. الحرب لم تعد مقصورة على الجبهات، بل أصبحت مضمرة داخل بنية الاقتصاد ذاته، حيث الأسعار، وسعر الصرف، والتحكم في الموارد، والسيطرة على المؤسسات، هي أدوات الحرب الحديثة.

اقتصاد الحرب لا يسقط وحده، بل يجب كسره وعيًا ومنهجيًا.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية