|
A+
A-
في الأدبيات الاقتصادية التقليدية، يُفسَّر فشل الإصلاحات غالبًا بعوامل تقنية: ضعف التصميم، محدودية القدرات المؤسسية، غياب البيانات، أو سوء التنفيذ. غير أن هذه التفسيرات، رغم وجاهتها النظرية، تبدو قاصرة عن تفسير الحالة اليمنية، حيث تتكرر محاولات الإصلاح، وتُعاد صياغتها بأدوات مختلفة، لكنها تنتهي إلى النتيجة ذاتها: التعثر أو الإجهاض أو التفريغ من مضمونها. وتكتسب هذه القراءة أهميتها في اللحظة الراهنة، مع تشكيل الحكومة الجديدة التي أعلنت أن الإصلاح الاقتصادي يتصدر أولوياتها، إذ يصبح فهم أسباب تعثر المحاولات السابقة شرطًا لأي مسار مختلف. فالمسألة في اليمن لا تتعلق بندرة الخطط، بل بطبيعة البيئة التي يُفترض أن تُطبَّق فيها. في اليمن، لا يفشل الإصلاح الاقتصادي لأنه خاطئ بالضرورة، بل لأنه يصطدم ببنية سلطة قائمة. فالإصلاح، في سياق اقتصاد الحرب، لا يُنظر إليه كعملية تحسين كفاءة، بل كحدث سياسي–اقتصادي يهدد توازنات تشكلت وتكيّفت خلال سنوات النزاع. من هنا، يصبح السؤال التحليلي الأهم ليس: أولًا: الإصلاح الاقتصادي كحدث غير محايد في السياقات المستقرة، يُفترض أن الإصلاح الاقتصادي أداة تقنية لتحسين تخصيص الموارد، وتعزيز الاستدامة المالية، وتحقيق النمو. أما في اقتصاد الحرب، فإن أي إصلاح—خصوصًا في مجالات الإيرادات، والعملة، والجبايات—يتحول إلى إعادة توزيع للسلطة قبل أن يكون إعادة توزيع للموارد. ذلك أن البنية الاقتصادية القائمة في اليمن لم تتشكل في فراغ، بل نشأت كاستجابة وظيفية لانهيار الدولة، وغياب المركز، وتفتت القرار. ومع مرور الوقت، تحولت هذه البنية إلى نظام مصالح متماسك، يستمد استقراره من عدم الاستقرار، ويعيد إنتاج نفسه عبر تعطيل أي مسار يعيد الاقتصاد إلى قواعد مؤسسية شفافة. بهذا المعنى، لا يُقابَل الإصلاح بالرفض الصريح دائمًا، بل غالبًا ما يُفرَّغ من محتواه عبر: ثانيًا: اقتصاد الحرب كنظام توازن بديل أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الاقتصاد اليمني هو التعامل معه بوصفه اقتصادًا “منهارًا”. فالواقع لا يعكس انهيارًا كاملًا، بل توازنًا مشوَّهًا يسمح بتدفق حد أدنى من الموارد، ويضمن استمرارية السيطرة، حتى على حساب الكفاءة والعدالة. هذا التوازن لا يقوم على الإنتاج أو التنافسية، بل على إدارة الوفرة الريعية (الجمارك، النفط، الجبايات)، والتحكم في نقاط العبور، وخلق ندرة مصطنعة في السلع والخدمات والعملة لضمان الهيمنة وتوليد الأرباح، بما يخدم البقاء السياسي لا التعافي الاقتصادي. غير أن هذا “الاستقرار البديل” لا يتحقق بلا كلفة؛ إذ يُنقل عبء استدامته إلى المجتمع، عبر التضخم، وتدهور الخدمات، وتآكل الدخول، بحيث يصبح المواطن هو الحلقة التي تمتص اختلالات التوازن المشوَّه. في ظل هذا التوازن، يصبح الإصلاح عامل اضطراب بنيوي. فإعادة ضبط الإيرادات، أو توحيد السياسات المالية، أو تنظيم السوق، لا تعني تحسين الأداء فحسب، بل كسر آليات التكيف التي سمحت لاقتصاد الحرب بالاستمرار. لهذا، لا تُقاوَم الإصلاحات لأنها غير مناسبة تقنيًا، بل لأنها تهدد بنية استقرار بديل تشكّل خارج الدولة، واستقرّ بوصفه نظامًا قائمًا بذاته.
ليست مصادفة أن تفشل غالبية محاولات الإصلاح في اليمن عند بوابة الإيرادات. فالإيرادات، في اقتصاد الحرب، ليست مجرد مورد مالي، بل مصدر سلطة مباشر. إعادة تنظيم الإيرادات تعني: وهو ما يؤدي تلقائيًا إلى: لهذا، تُواجَه الإصلاحات الإيرادية بمقاومة أعلى من غيرها، لأنها تمس جوهر الاقتصاد السياسي القائم، لا مظاهره فقط.
يُضاف إلى ما سبق عامل بنيوي آخر يتمثل في غياب مركز اقتصادي-سيادي واحد قادر على فرض قواعد موحدة. ففي بيئة الانقسام، لا يُقاس نجاح الإصلاح بمدى سلامة تصميمه، بل بقدرته على التفاوض مع مراكز القوة أو تجاوزها. وهنا تظهر المفارقة:
رغم أهمية الدعم الدولي والمشورة الفنية، إلا أن كثيرًا من برامج الإصلاح في اليمن اصطدمت بحقيقة أن المشكلة ليست نقص معرفة، بل تضارب مصالح. فالوصفات التي تفترض وجود دولة راغبة وقادرة على التنفيذ، تفشل حين تُطبَّق في بيئة تُدار فيها الموارد كأدوات سلطة لا كوظائف عامة. وفي بعض الحالات، لا يقتصر أثر التدخلات الخارجية على العجز عن فرض الإصلاح، بل يمتد—دون قصد—إلى تمويل كيانات موازية أو ترتيبات جزئية تمنحها شرعية مالية مؤقتة، فتُسهم في تثبيت التوازن المشوَّه بدل تفكيكه. وهكذا يتحول الدعم التقني أو المالي، في غياب مركز قرار موحّد، إلى عنصر استقرار للنظام القائم لا أداة لتغييره. من هنا، لا يمكن لأي تدخل خارجي أن يعوّض غياب الإرادة السياسية لتفكيك اقتصاد الحرب، ولا أن يفرض إصلاحًا يتجاوز البنية الفعلية للسلطة. تكشف التجربة اليمنية أن الإصلاح الاقتصادي في سياق النزاع ليس عملية تقنية محايدة، بل ساحة صراع هادئ بين من يسعى إلى إعادة بناء الدولة، ومن راكم نفوذه في غيابها. ولهذا، فإن أي حديث عن إصلاح اقتصادي جاد يجب أن يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة: من هنا، فإن أي إصلاح اقتصادي جاد لا يمكن أن ينجح في ظل تعدد مراكز القرار وتضاربها. فالإصلاح لا يحتاج فقط إلى تصميم محكم، بل إلى سلطة اقتصادية قادرة على فرضه وحمايته من التفريغ والمساومة. ومن دون انتقال واضح من منطق إدارة الأزمة إلى منطق امتلاك القرار، ستظل كل محاولة إصلاح رهينة البنية التي تسعى إلى تجاوزها. ومن ثم، فإن نجاح الحكومة الجديدة لن يُقاس بعدد الخطط المعلنة، بل بمدى استعدادها لتحمّل كلفة الصدام مع البنية التي عطّلت الإصلاح سابقًا. فالإصلاح في هذا السياق ليس مسارًا إداريًا تدريجيًا، بل قرارًا سياسيًا بكسر توازن مستقر ظاهريًا، ومكلف واقعيًا. |