Najib Mikati
بحث

اراء

في يوم الأثنين الأسود ..بين صدمة المشهد وواجب الكلمة.. لماذا لم أستطع تمالك نفسي على الهواء؟

زبين عطية

|
منذ ساعتين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

لم تكن تلك الدموع التي تساقطت على الهواء مباشرة عبر قناة "اليمن اليوم " مجرد انفعال ، ولم يكن والله ذلك البكاء كمصتنع الذي يُعرف في كواليس السياسة والإعلام، بل كان انفجاراً لروحٍ أثقلها الهول، وشهادةً حية على أفظع مجزرة ارتكبتها مليشيا ارهابية هزت وجدان الضمير الإنساني في يوم "الاثنين الأسود". حين يستهدف الغدر مركز أحمد السليماني للتدريب الأمن، تتحول شبوة بأسرها إلى لوحة سابحة في الدماء، وتتوارى الكلمات خجلاً أمام هول الواقع .
كيف لعينين أن تستمرا في الجفاف، وأمام ناظريّ كانت تتراكم عشرات الجثث والأشلاء في مشهد فوق طاقة البشر على الاحتمال، مشهد لا يمكن لعقل بشري سويّ أن يتخيله أو يستوعبه؟
كيف لي أن أتمالك نفسي، وتلك المشاهد القاسية تحفر في أعماقي ندوباً لا تُنسى؟
أبٍ مكلوم يفتش بين ركام الجثث عن بقاية جسد ابنه الشهيد، بعد أن هداه دليل الدم إلى رأسه المفصول.. وأبٍ آخر يتفحص باهتزاز رجل ابنه المبتورة، عسى أن يجد فيها علامةً تدله على قطعة من مهجة قلبه.. وأخٍ يطلق صرخةً تمزق الصمت حين تقع عيناه على جسد شقيقه الهامد بين الجثث المكومة على تراب الأرض الطاهر .
كيف لا أجهش بالبكاء، وأنا أرى عائلة بأكملها قد فجعت بأربعة من أبنائها دفعة واحدة، محمولين كأقمار مظلمة في سماء مدينة عتق التي أصبحت في ذلك اليوم الحزين تكتظ بالجنائز في كل زاوية وركن؟ كيف لا تفيض العيون، والمستشفيات بأسرها قد ضاقت بالمصابين وجعاً وألماً؛ هذا يصارع كسراً في رأسه، وذاك تحجرت في ساقه شظية غادرة، وثالث تنقص الحياة من جسده يدٌ مبتورة أو طرفٌ مفقود في لحظة غدر؟
تلك الدموع التي رأيتموها على الشاشة لم تكن ضعفاً، بل كانت ضريبة لكوني إنساناً أشعر بوجع أهلي وناسي ..كيف لي أن أتماسك وأمام عيني يسقط أكثر من سبعين شهيداً ويُجرح مئتا بطل، جميعهم في زهرة الشباب ومقتبل العمر، شبانٌ لم يبدؤوا من الحياة سوى خطواتها الأولى، وكانت أقصى أمانيهم بسيطة ونبيلة؛ أن يسهموا في حفظ أمن محافظتهم واستقرارها ويشقوا على اهاليهم الذين انهكهم الفقر والحاجة ، فإذا بهم يتحولون إلى قوافل جنائزية .. كيف لي ألا أتخيل ذلك القلب المفطور لأمٍ سيطرق بابها خبر استشهاد وليدها، أو لزهرة أختٍ سيتيمد عليها ليل الحزن بفقد عضيدها؟
إن الدموع التي ذرفتها لم تكن سوى ترجمة صادقة لنبض الشارع ووجع المجتمع في محافظتي وما بين غصة الحلق ومرارة المشهد، بقيتُ شاهداً على فاجعة لا يمكن لأقلام الدنيا أن توفيها حقها فليست الشجاعة في قسوة القلوب، بل في القدرة على الشعور بألم الآخرين، وأن يبقى الإنسان حيّاً بضميره ومشاعره مهما اشتدت وطأة الكارثة فلا تلومني .

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية