Najib Mikati
بحث

اراء

صنعاء التي تُهجِّر أبناءها… حين يصبح الرحيل بحثًا عن حقّ الحياة

أحمد سود احمد هفج

|
منذ ساعتين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

ليست الكارثة أن يغادر الإنسان مدينته، بل أن تتحول مدينته إلى مكانٍ يخشى فيه على حياته، ويعجز فيه عن تأمين لقمة عيشه، ويصبح مستقبله سؤالًا معلّقًا بين الجوع والخوف والمجهول.

صنعاء ليست مدينةً عابرة في ذاكرة اليمنيين؛ إنها تاريخٌ يسكن الحجر، وذاكرةٌ تختبئ في الأزقة، وبيوتٌ تحمل حكايات أجيالٍ وُلدت فيها، وكبرت بين أسواقها ومدارسها ومساجدها، واعتقدت طويلًا أن الانتماء إليها يمنحها شيئًا من الطمأنينة، لكن المدن، مهما عظم تاريخها، لا تستطيع أن تحمي أبناءها إذا تحولت الحياة فيها إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وحين يبدأ الناس بمغادرة مدينةٍ لمجرد البحث عن فرصة عمل، أو لقمة كريمة، أو مكانٍ ينامون فيه دون خوف، فليس من الإنصاف أن نختصر حكايتهم في كلمة «نزوح»، ولا أن نحمّلهم تهمة التخلي عن مدينتهم، إنهم لا يغادرون لأن جذورهم جفّت، ولا لأن محبتهم لصنعاء تراجعت؛ بل لأن الجوع لا ينتظر، والخوف لا يرحم، والكرامة لا تستطيع أن تعيش طويلًا تحت وطأة العجز والقهر.
إنهم لا يبحثون بالضرورة عن حياةٍ أفضل؛ كثيرون منهم يبحثون عن الحد الأدنى من الحياة التي لم يعودوا يجدونها.
في صنعاء، كما يروي كثير من أهلها وما يعكسه واقع الحرب والانهيار الاقتصادي، تتعدد وجوه المعاناة وتتداخل أسبابها، هناك من ينهكه الفقر حتى تضيق به جدران منزله، ومن يخشى أن يدفع ثمن رأيٍ لم يتخلَّ عنه، ومن يجد نفسه محاصرًا بظروفٍ تدفعه إلى خيارات لم يكن ليقبلها في حياةٍ طبيعية، ومن يخرج إلى الشارع لقضاء حاجةٍ بسيطة فلا يملك ضمانًا بأن يعود إلى بيته مطمئنًا.
وهنا تتجلى المأساة في أبشع صورها : أن يفقد الإنسان شعوره بالأمان في بيته، وثقته بمستقبله، وقدرته على إعالة أسرته، ثم يُطلب منه أن يتعايش مع ذلك كله وكأنه قدرٌ لا يجوز الاعتراض عليه.
أيُّ حياةٍ هذه التي يصبح فيها الأب عاجزًا عن تلبية احتياجات أطفاله، ويخشى فيها الشاب على مستقبله، ويحسب فيها المواطن خطواته وكلماته، ويضطر فيها الإنسان إلى وزن حاجته إلى الرزق بقدر المخاطر التي قد يتعرض لها في سبيله؟
وأيُّ وطنٍ يمكن أن يستقيم حاله حين يصبح الرحيل من مدنه خيارًا أقل قسوةً من البقاء فيها؟
ليست القضية أن كل من بقي في صنعاء مهدد بالموت، ولا أن كل من غادرها وجد النجاة؛ فالصورة أكثر تعقيدًا، واليمنيون في مختلف المناطق يدفعون أثمانًا باهظة للحرب والانقسام وتدهور الاقتصاد، لكن ذلك لا يلغي حقيقةً موجعة : حين تتراجع فرص العيش الكريم، وتتسع المخاوف، وتُضيَّق المساحة المتاحة للإنسان كي يعمل ويتعلم ويعبّر عن نفسه بأمان، فإن المدينة تبدأ بخسارة أبنائها قبل أن تخسر عمرانها.
فالمدن لا تُقاس بعدد المباني التي بقيت واقفة، ولا بحركة الأسواق وحدها، ولا بما يُرفع في ساحاتها من شعارات؛ المدن تُقاس بقدرة الإنسان فيها على أن يعيش حرًّا، وأن يعمل بكرامة، وأن يختلف دون أن يخاف، وأن يربي أبناءه دون أن يشعر أن مستقبلهم يُنتزع من بين يديه.
وحين تتآكل هذه المعاني، قد تبقى المدينة على الخريطة، لكنها تبدأ في الغياب من حياة أهلها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب صنعاء ليس أن يغادرها بعض أبنائها اليوم، بل أن ينشأ جيلٌ يرى مغادرتها حلمًا، والبقاء فيها عبئًا، والعودة إليها مخاطرة، فالهجرة القسرية لا تنقل الأجساد وحدها؛ إنها تنتزع من المدينة خبرات أبنائها، وأيدي العاملين فيها، وأحلام طلابها، ودفء العائلات التي تتفرق بحثًا عن لقمة العيش والأمان.
وحين يرحل الأب ليعمل بعيدًا عن أطفاله، أو تغادر الأسرة منزلها الذي جمعت فيه أعمارها، أو يترك الشاب دراسته ومجتمعه بحثًا عن فرصةٍ تحفظ كرامته، فإن الخسارة لا تُسجَّل في إحصاءات المغادرين وحدها؛ إنها تُكتب في أعمارٍ تتباعد، وبيوتٍ تخلو، وذكرياتٍ تتحول إلى حنينٍ موجع.
ومن الظلم أن نعاتب الراحلين على ابتعادهم، قبل أن نسأل : ما الذي جعل البقاء بهذه القسوة؟
في هذا المقام تستعيد الذاكرة بيت السياسي والأديب يحيى حمود جغمان، كما ورد في النص المتداول :
«لك الله من وطنٍ تجوع به الأُسْدُ
ويمرح في أرجائه عابثٌ قِرْدُ»
إنها صرخةٌ تختصر مفارقة الوطن حين تُهمَّش فيه الكفاءات، وتُستنزف كرامة أهله، ويعلو صوت العبث على صوت الحكمة، ولو تأملنا هذا المعنى في واقع صنعاء اليوم، لأدركنا أن السؤال ليس عمّا كان سيقوله جغمان لو عاش زماننا فحسب، بل عمّا ينبغي أن نقوله نحن، ونحن نشهد وطنًا تتنازع سلطاته ومراكز قوته، فيما يظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف في معادلةٍ لم يخترها.
فكم من صاحب كفاءةٍ يبحث عن بابٍ للعمل فلا يجده، وكم من أسرةٍ تحسب قوت يومها، وكم من شابٍ تتنازعه الحاجة والخوف، وكم من إنسانٍ لا يطلب أكثر من أن يعيش دون إذلال، وأن يعود إلى منزله سالمًا، وأن يرى أبناءه يكبرون أمام عينيه لا في صور الهاتف ورسائله؟
ليس مطلوبًا من المواطن أن يثبت حبه لوطنه بالبقاء تحت كل الظروف، ولا أن يقدّم حياته ومستقبل أبنائه قربانًا لصراعات لا يملك قرارها، حب الوطن ليس حكمًا بالإقامة الجبرية في مكانٍ تضيق فيه سبل الحياة؛ بل هو حقٌّ في وطنٍ يحمي أبناءه، ويصون كرامتهم، ويمنحهم أسباب البقاء فيه بإرادتهم لا تحت ضغط العجز أو الخوف.
ومن حق الإنسان أن يبحث عن الأمان حيث وجده، وعن الرزق حيث تيسّر، وعن مستقبلٍ لا يشعر فيه أنه محاصر بين حاجته وخشيته، ولا ينتقص ذلك من وطنيته؛ فالذي يغادر مدينته مضطرًا قد يحملها في قلبه أكثر ممن بقي فيها متمتعًا بامتيازاتٍ لا يعرف معها حجم معاناة الآخرين.
أما المسؤولية الحقيقية، فلا تقع على كاهل من يرحل بحثًا عن الحياة، بل على كل سلطةٍ أو جهةٍ أو قوةٍ تجعل حياة الناس أقل أمنًا وكرامة، وعلى كل من يقدّم حساباته ومصالحه على حق اليمنيين في العيش، وعلى كل من يتعامل مع معاناة المواطن بوصفها تفصيلًا صغيرًا في معركة النفوذ.
صنعاء لا تحتاج إلى خطاباتٍ تتغنى بتاريخها بقدر ما تحتاج إلى واقعٍ يحفظ كرامة أهلها. تحتاج إلى أن يجد أبناؤها عملًا، وأن يأمنوا على أنفسهم، وأن يستطيعوا تعليم أطفالهم وإعالة أسرهم، وأن يكون الاختلاف فيها حقًا لا مخاطرة، وأن تكون مؤسساتها في خدمة الإنسان لا وسيلةً لإخضاعه.
فلا قيمة لأي انتصارٍ سياسي إذا كان المواطن يخرج من معركته اليومية خاسرًا لقوته وأمانه ومستقبله، ولا معنى للحديث عن السيادة إذا ظل الإنسان عاجزًا عن تقرير أبسط شؤون حياته، ولا جدوى من رفع اسم الوطن عاليًا إذا كان أبناؤه يضطرون إلى الابتعاد عنه كي يجدوا فرصةً للبقاء على قيد الحياة.
أن صنعاء لا تفقد أبناءها حين يغادرون حدودها فحسب؛ إنها تفقدهم يوم تُسلب منهم الأسباب التي تجعلهم يريدون البقاء.
وسيظل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الضمائر أكبر من سؤال : لماذا غادر الناس صنعاء؟
السؤال هو : ماذا فعلنا حتى أصبح بعض أبنائها يرون في الرحيل أملًا، وفي البقاء مخاطرة، وفي المستقبل خارجها فرصةً لم تعد متاحة داخلها؟
فالوطن الذي يضطر أبناؤه إلى مغادرته كي يعيشوا لا يحتاج إلى من يلومهم على الرحيل؛ بل يحتاج إلى من يزيل الأسباب التي دفعتهم إليه.
فيا صنعاء، يا مدينة التاريخ والذاكرة، ليس أقسى على الإنسان أن يترك بيته، بل أن يحبّه ولا يستطيع أن يعيش فيه بكرامة، وليس أفجع على الوطن أن يرحل أبناؤه، بل أن يأتي يومٌ يعتاد فيه رحيلهم، فلا يسأل لماذا رحلوا، ولا يعمل كي يعودوا.
فلكِ الله يا صنعاء، ولكل يمنيٍّ ضاقت به أرضه، لا لأن الوطن ضاق به، بل لأن الحياة التي يستحقها أصبحت أبعد من أن تطالها يداه.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية