أكثر ما يثير انتباهي في تجربة الإسلام السياسي هو الطريقة التي جرى بها ربط الدين بالوصول إلى السلطة، حتى أصبح بعض الناس يتعاملون مع المشروع السياسي الذي يرفع شعار الإسلام وكأنه جزء من العقيدة، لا اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب. أنا لا أرى مشكلة في أن يكون للإنسان المتدين موقف سياسي، ولا في أن يستلهم الحزب من الإسلام أفكاره حول العدالة والفساد والفقر وحقوق الإنسان. المشكلة تبدأ حين يقرر هذا الحزب أن تفسيره للدين هو التفسير الذي يجب أن يحكم المجتمع، وأن وصوله إلى السلطة انتصار للإسلام، بينما يصبح فشله السياسي مجرد سوء فهم من الناس، أو مؤامرة من الخصوم، أو ابتلاء ينبغي الصبر عليه. من أعطى هذه التنظيمات الحق في ربط الإسلام بمصيرها السياسي؟ ومن قال إن التصويت لحزب معين واجب ديني، أو أن رفض برنامجه موقف ضد الإسلام؟.هذه الأسئلة ليست موجهة إلى الدين، بل إلى الذين أدخلوا الدين في معركة السلطة، ثم أرادوا أن يجعلوا أنفسهم فوق النقد بفضله.تأملوا المسألة قليلا. حين يصل حزب إلى الحكم، فإنه يتولى إدارة المال العام، ويعين المسؤولين، ويضع السياسات، ويتخذ قرارات تؤثر في حياة ملايين الناس. هذه مسؤوليات سياسية واضحة، ولا علاقة لنجاحها بمجرد رفع الشعارات الدينية. المواطن لا يأكل الخطاب، ولا يتلقى العلاج من الخطب، ولا يحصل على التعليم لأن المسؤول يتحدث عن الأخلاق. هو يريد عملا وحقوقا وخدمات وعدالة، ويريد أن يعرف أين ذهبت أموال الدولة، ولماذا فشلت الحكومة في تحقيق وعودها. إذا كان الحزب الذي يحكم باسم الإسلام عاجزا عن تقديم إجابات مقنعة، فلماذا ينبغي إعفاؤه من المحاسبة؟ هل يصبح الفشل مقبولا لأن صاحبه يتحدث باسم الدين؟ وهل تتغير حقيقة الفساد إذا ارتكبه مسؤول يكثر من الاستشهاد بالنصوص؟.المشكلة أن بعض التنظيمات لا تريد من المواطن أن يختار بينها وبين غيرها على أساس البرامج، بل تريد منه أن يمنحها ثقته قبل أن يعرف ماذا ستفعل بالسلطة. إنها تستفيد من مكانة الدين في المجتمع، وتحول الثقة الدينية إلى رصيد سياسي. وعندما تتعرض للنقد، قد تنقل النقاش من أخطائها إلى نوايا منتقديها، وكأن الاعتراض على قراراتها يحتاج إلى تبرير ديني.لكن الإسلام ليس حزبا، والمسلمون ليسوا كتلة سياسية واحدة. بينهم من يؤيد هذا التنظيم ومن يعارضه، ومن يرى أن برنامجه لا يصلح لإدارة الدولة، ومن يختلف معه في تفسير قضايا الدين والحكم. لا أحد يملك حق مطالبة هؤلاء بالتنازل عن آرائهم حتى يثبتوا صدق إيمانهم.* *وأنا أعتقد أن على الإسلام السياسي أن يجيب عن مسألة جوهرية: هل يريد أن يقدم برنامجا سياسيا يقبل النقاش والتعديل والمحاسبة، أم يريد أن يجعل من مرجعيته الدينية وسيلة تمنحه أفضلية على بقية الأحزاب؟.إذا كان البرنامج جيدا، فليدافع عنه بالحجة. وإذا كان قادرا على حل مشكلات الناس، فلتظهر النتائج. أما أن يطلب الحزب من المواطنين التصويت له باسم الإسلام، ثم يطالبهم بالصبر على أخطائه باسم الإسلام أيضا، فهذه معادلة غير عادلة؛ لأنها تمنح السياسي فرصة الاستفادة من الدين عند النجاح، وتحاول حمايته به عند الفشل.ولا أقول إن الدين يجب أن يبتعد عن حياة الناس، أو إن المتدين لا يحق له ممارسة السياسة. هذا طرح لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى مكان آخر. من حق المسلم أن يشارك في الحكم، ومن حقه أن يؤسس حزبا يستلهم أفكاره من دينه، لكن ليس من حقه أن يحتكر تمثيل الإسلام أو أن يفرض على المجتمع الاعتراف بشرعية مشروعه لمجرد أنه يرفع شعارا دينيا.المسألة في النهاية تتعلق بحق الناس في الاختيار. الدولة ليست ملكا للحزب الإسلامي، ولا للحزب العلماني، ولا لأي جماعة تعتقد أن لديها الحقيقة الكاملة. إنها مسؤولية عامة، ومن يتولى إدارتها يجب أن يقبل بأن المواطنين قادرون على رفضه ومحاسبته واستبداله. أنا لا أخشى أن يدخل المتدين إلى السياسة، بل أرى أن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث حين يستخدم السياسي إيمان الناس ليحصل على سلطة يصعب عليهم محاسبته عليها؟.هذا هو النقاش الذي يستحق أن نفتحه بعيدا عن تخوين الإسلاميين أو تخوين خصومهم. فالدين لا يحتاج إلى حزب يحتكره، والسياسة لا تحتاج إلى ادعاء القداسة. ما نحتاج إليه هو أن نتوقف عن الحكم على السياسي من الشعارات التي يرفعها، وأن نبدأ في الحكم عليه من القرارات التي يتخذها، والحقوق التي يحميها، والمسؤولية التي يقبل تحملها أمام الناس. |