في هذه الأيام، تتجه الأنظار نحو مدينة أسيزي الإيطالية، حيث تبلغ الاحتفالات بمرور 800 عام على وفاة القديس فرنسيس ذروتها، متوجةً عامًا استعاد فيه يوم 4 أكتوبر مكانته كعيد وطني. هذه المناسبة ليست مجرد ذكرى، بل هي تجديد لنداء السلام والإخاء والتضامن واحترام البيئة الذي جسده القديس فرنسيس، لتصبح هذه القيم نبراسًا للأجيال. مع دقات الساعة عند منتصف ليل السبت 3 أكتوبر، انطلقت أجراس البازيليكا العليا معلنةً بداية المراسم الرسمية. هذا العام، اكتسب الاحتفال بُعدًا وطنيًا خاصًا، إذ أصبح الرابع من أكتوبر يوم عطلة رسمية، تقديرًا للقيم العالمية التي يمثلها القديس فرنسيس. وشهدت الأحد، أول عيد وطني مخصص للقديس، حضورًا رفيع المستوى يتقدمه رئيس الجمهورية ورؤساء البعثات الدبلوماسية، تأكيدًا على أن رسالة فرنسيس لا تخص إيطاليا فحسب، بل العالم بأسره. لكن من هو القديس فرنسيس؟ ولماذا لا تزال دعوته تتردد صداها بقوة حتى بعد مرور ثمانية قرون على رحيله؟ يرى المؤرخون أن صورته المتعددة التي تناقلتها الأجيال لا تزال تتفاعل مع عالمنا المعاصر. كما يشرح البروفيسور أنطونيو موسارا، أستاذ التاريخ في جامعة سابينزا بروما، فإن فرنسيس أعيدت قراءته وتفسيره عبر التاريخ بطرق مختلفة. ففي القرن الثالث عشر نفسه، ظهرت سير تتناوله بصور متباينة. لكن الصورة التي ورثناها اليوم، والتي بدأت تتشكل بعد الحرب العالمية الأولى، هي صورة "فرنسيس السلام والدبلوماسية والمصالحة". وعند سؤاله عن مدى أهمية القديس وما يمكن أن يعلمه للعالم اليوم، يؤكد البروفيسور موسارا أن "أسلوبه" هو ما يجعله ذا صلة. "أسلوب يتجلى بوضوح في علاقته بالبحر الأبيض المتوسط، وبالثقافات الأخرى، وبالآخر المختلف". ويستشهد بمثالين: "المختلف في بيته، كالمجذوم الذي بدأ معه تحوله، وكذلك الآخر الديني، كما حدث عندما التقى بالسلطان". لقاء فرنسيس بسلطان مصر، الذي وقع خلال الحملة الصليبية الخامسة في دمياط، لا يزال يحمل دروسًا قيمة. يوضح الأب باولو نيتشيلي، أستاذ اللاهوت والخبير في العلاقة بين الإسلام والحداثة، أن دمياط كانت مركزًا تجاريًا مهمًا، وبالتالي كان الصراع ذا طبيعة اقتصادية وعسكرية في المقام الأول. في هذا السياق، يمثل فرنسيس، الرجل الروحي العميق، والممثل للسلطان، الرجل السياسي. غامر فرنسيس بعبور خطوط العدو، مؤمنًا بقدرته على إقناع أمير المؤمنين، ورغم أن التحول الديني لم يحدث، إلا أن السلطان استقبله باحترام. تذكر التقاليد أيضًا "محنة النار" الأسطورية، حيث أعلن فرنسيس استعداده للسير في اللهب مع رجال الدين المسلمين لإثبات صحة إيمانه. رفض السلطان التحدي، لكنه انبهر بشجاعة رجل أسيزي المتواضع. أصبح هذا اللقاء، المبني على الحوار وليس السلاح، نموذجًا للسلام والحوار بين الأديان في القرون اللاحقة. يضيف نيتشيلي: "مثال للرحمة والمغفرة، وهي مغفرة أشد ضرورة اليوم، خاصة في مجتمع عالمي مثل مجتمعنا. وبهذا المعنى، فإن نموذج فرنسيس مناهض للثقافة السائدة، لأنه يتعارض مباشرة مع القيم المهيمنة اليوم: الطموح، الفردية، الأنانية، حب الذات، التمجيد الذاتي، وما إلى ذلك". وربما لهذا السبب، وبعد 800 عام على وفاته، لا تزال شخصيته تحتفي بها وتكتسب أهمية بالغة. |