Najib Mikati
بحث

اراء

حين تُستهدف الذاكرة… يصبح الدفاع واجبًا وطنيًا

نوح إدريس:

|
منذ 7 ساعات
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

في الزاوية التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، لا يقف مقر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز كمجرد مبنى من حجر وإسمنت، بل كأحد الشواهد الحية على مسار سياسي شكّل وجدان المدينة وأسهم، على مدى عقود، في ترسيخ ثقافة التعددية والديمقراطية والعمل الحزبي المنظم. هذا المقر لم يكن يومًا عقارًا صامتًا، بل مساحة وطنية مفتوحة للأفكار، ومنبرًا للتفاعل السياسي والاجتماعي، وذاكرةً جمعية اختزلت محطات مفصلية من تاريخ تعز واليمن عمومًا.

إن محاولات السطو على أرضية المقر لا يمكن التعامل معها بوصفها نزاعًا قانونيًا عابرًا أو خلافًا على ملكية، فالأمر يتجاوز الوثائق والإجراءات ليطال جوهر الحق السياسي والرمزي. ما يجري هو اعتداء على المعنى قبل أن يكون اعتداءً على المكان، ومحاولة لتجريف الذاكرة السياسية لمدينة عُرفت تاريخيًا بأنها حاضنة للعمل المدني والتعدد الحزبي. فالعبث بمقر حزب سياسي بهذا الثقل هو رسالة مقلقة تستهدف فكرة التنظيم والعمل العام، وتفتح الباب أمام سابقة خطيرة تهدد بقية الفضاءات السياسية والمدنية.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات تسعى، بوعي أو دون وعي، إلى قطع الصلة بين الأجيال الجديدة وإرثها السياسي، وإفراغ العمل الحزبي من رموزه ومعانيه. فالأحزاب لا تُختزل في شعارات أو أسماء، بل تتجسد في أماكنها وتاريخها وذاكرتها المشتركة. وعندما تُستهدف هذه الأماكن، فإن المستهدف الحقيقي هو الوعي الجمعي، ومحاولة إعادة تشكيل المشهد العام بمنطق القوة والأمر الواقع، لا بمنطق القانون والتوافق.

كما أن الصمت تجاه هذه المحاولات لا يعني الحياد، بل يرقى إلى مستوى التفريط، لأن التعدي على مقر حزب سياسي في مدينة بحجم تعز هو تعدٍ على التوازن السياسي والاجتماعي فيها. تعز التي دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن قيم الدولة والمؤسسات، لا يمكن أن تقبل بتحويل السياسة إلى ساحة للسطو أو تصفية الحسابات. فحماية المقرات الحزبية، أيًا كان انتماؤها، تمثل حماية لفكرة الدولة ذاتها، وضمانة لعدم انزلاق المجتمع نحو شريعة الغاب.

إن الدفاع عن مقر المؤتمر الشعبي العام اليوم، في جوهره، دفاع عن حق الاختلاف، وعن بقاء السياسة في إطارها السلمي والمؤسسي. هو موقف يُفترض أن يتسع ليشمل كل القوى السياسية والمدنية، لأن استهداف مقر اليوم قد يتحول إلى استهداف آخر غدًا. وحين تُستباح الذاكرة السياسية، يصبح الجميع في مرمى الخطر، وتتحول المدينة من فضاء للتعدد إلى ساحة مفتوحة للفوضى والهيمنة.

في مثل هذه اللحظات، لا يعود الدفاع عن المكان مسألة حزبية ضيقة، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. فالتاريخ الذي يُداس اليوم تحت ذريعة الطمع أو النفوذ، هو ذاته الذي سيُسائل الجميع غدًا. وتعز، بتاريخها ووعيها، تدرك جيدًا أن التفريط في ذاكرتها السياسية هو أول الطريق نحو فقدان روحها المدنية التي ميّزتها عبر العقود

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية