|
A+
A-
عندما أعلنت القيادة الإيرانية عن موعد الرابع من يوليو/تموز القادم لبدء مراسم تشييع المرشد السابق آية الله علي خامنئي، فإنها قطعا كانت تدرك أن الأوضاع الداخلية في هذا التاريخ ستكون ملائمة أمنيا لهذا الحدث الهام، بل ومحصنة لظهور المرشد الجديد مجتبى نجل المرشد الراحل وخليفته الذي لا بد أن يكون على رأس مشيعي والده وإماما لصلاة الجنازة عليه. مع نشر النص النهائي والموثوق من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وقراءتها بتمعن، يمكن الاستنتاج ببساطة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق من خلالها ذلك الانتصار المبهر الذي ظل الرئيس ترمب يروج له طوال الشهور الماضية، ولا تلك النتائج المنشودة من حرب الأربعين يوما، ومن مفاوضات الشهرين، فنصوص مذكرة التفاهم أعطت إيران الكثير، ولم تأخذ منها سوى التزامات بعضها كان معلنا من قبل مثل فتوى تحريم صناعة السلاح النووي. أما بالنسبة لإيران المجروحة والموجوعة، فهي قطعا لم تنتصر لكنها في نفس الوقت لم تستسلم، وبالنسبة لنظام عقائدي ما زال يحافظ على مبادئه السياسية والتزاماته الثورية، فإن ما واجهه من الدمار الهائل لمنشآته الحيوية والعسكرية والأمنية لا يعني له الكثير، ما دام النظام بأجنحته المختلفة صامدا ومتماسكا، واستطاع أن يعوض سريعا المواقع الشاغرة لقياداته التي قضت نحبها في القصف المتواصل. تناول الكثيرون بالنقد والتحليل مذكرة التفاهم هذه التي تكاد ترقى إلى مستوى اتفاق بما تضمنته من بنود تفصيلية هامة ومفصلية، وتضع لبنات واضحة وأساسية لشكل الاتفاق المطلوب التوصل إليه خلال الشهرين القادمين، وربما الشهور القادمة، إذ لم يعد الرئيس ترمب قلقا من أي انعكاسات سلبية للأزمة مع إيران على الانتخابات النصفية. وبالنسبة لإيران فلا شك أنها تدرك أنها أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر تمنحها الكثير إن تحلت بأقدار معقولة من المرونة في تعاملها مع الرئيس ترمب خلال ما تبقى من فترة رئاسته التي ستنتهي في يناير/كانون الثاني 2029، رغم أنها لن تنسى ولن ينسى مرشدها الجديد ثأرهم معه، لكنه قطعا ثأر مؤجل لزمن آخر، فالبلاد لا تحتمل معارك جديدة لعدة سنوات قادمة. لعل واحدًا من أهم مكاسب إيران التي خرجت بها في مذكرة التفاهم، هو اعتراف الولايات المتحدة بحلفائها في أول سطر من أول بند في المذكرة.. فالاتفاق- بحسب النص- هو بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحلفائهما في الحرب الحالية. إذن، فالمذكرة أو اتفاق التفاهم قد تعاملت مع حلفاء إيران كطرف حقيقي يشمله وقف العمليات العسكرية، بغض النظر عن قانونية هذه الأطراف، أو مشروعية أدوارها في بلدانها، لكن الواضح أن إيران- بحسب المذكرة- قادرة على إلزام حلفائها بما وقعت عليه. وبينما كان الكثير من المراقبين ينتظرون أو يتوقعون نصوصا، صراحة أو تلميحا، تعالج موضوعي الصواريخ الباليستية والأذرع في المنطقة‘ إذ بالمذكرة تتجاهل الأول وتعترف بالثاني، أو على الأقل تتعامل معه كأمر واقع.. وربما انطلق هذا التجاهل من حيثية تتعلق بتراجع مستوى التهديد بعد ضرب معظم المنصات، وتضاؤل المخزون، وأيضا بدائية تقنية هذه الصواريخ، ونجاح دول المنطقة في التصدي لها، ومحدودية أضرارها. بيد أن هذه الحيثية وإن صحت فقد كان على الولايات المتحدة أن يكون هذا الموضوع محل اهتمام ولا يغيب عن المذكرة؛ لأن أكثر من 80% من صواريخ إيران توجهت نحو جيرانها في المنطقة من دول الخليج والأردن، مما ضرب ليس فقط مبادئ الجيرة والأخوة الإسلامية، بل مستوى الثقة في إمكانية بناء الثقة والمصداقية مستقبلا، وقطعا ستعيد دول الخليج النظر في حجم ومستوى العلاقات مع إيران. أما بالنسبة لحلفاء إيران في المنطقة فجميعهم ليسوا على علاقة وثيقة بأي دولة من دول المنطقة سوى العراق الذي سلمته الولايات المتحدة لإيران بعد انسحابها العسكري منه، وتتعامل معه بحالة ازدواجية فريدة من نوعها بهيمنتها على أموال العراق وحكوماته التي لا تتشكل إلا بالضوء الأخضر الإيراني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *نقيب الصحفيين، ووزير الإعلام اليمني السابق |