|
A+
A-
○ بعد أن صوُّر أو خيِّل لنا أن النظام الإيراني وصل إلى مرحلة الانهيار التام، نتيجة الحرب المزعومة عليه من قبل أمريكا وإسرائيل، وأصبح معظم المحللين والخبراء يضعون تصوراتهم وتوقعاتهم لشكل النظام الجديد للجمهورية الإسلامية، فوجئ العالم أجمع بالإعلان عن وصول الطرفين (اللذين هما في الأصل طرف واحد..!!) إلى اتفاق، وتسارع غير متوقع في تنفيذ بنود ذلك الاتفاق، والذي بالنظر إلى بنوده وعناصره يتأكد للمبتدئ في الشئون السياسية، أنه صيغ من جهة واحدة، تصر على أن وجود إيران (كما هي أو كما كانت عليه) في المنطقة حاجة ماسة، وأن بقاءها خط أحمر لا يمكن المساس به فما بالنا بتجاوزه..!! ○ قلنا سابقاً وقال غيرنا كثيرون أن إيران هي قرنا البقرة الحلوب في المنطقة، وأن كسر هذين القرنين غير وارد، مهما حاولت أمريكيا أن تخدعنا بذلك وحملت مناشيرها الحادة، لتقنعنا أنها تعتزم ذلك، وحتى وإن بدا لنا أنها تضع المناشير على القرنين، فما ذلك إلا مشهد تمثيلي مبتكر يمكن عرضه والإلهاء به بين فصول المسرحية الاستراتيجية الكبرى، التي تنفذها أمريكا في المنطقة.. وأن كل ما جرى ويجري منذ إعلان هذه الحرب المزعومة ما هو إلا عملية إعادة تهيئة أو بعث جديد لإيران في المنطقة.. إيران التي لا يزال هناك من لم يقتنع بعد أنها أمريكية بريطانية إسرائيلية بامتياز..!! ○ استطاعت أمريكا في البداية أن تصور لنا كم هي إيران بعبع وتهديد ولا يمكن ائتمانها (وهي كذلك لو أتيح لها المجال)، وافتعلت بينها وبين محيطها نفوراً حولها إلى بؤرة شر (وهي كذلك لو أتيح لها)، واحتلبت أمريكا وحلفاؤها المنطقة بأسرها مليارات وتليريونات الدولارات بناء على ذلك، تحت مسميات لا حدود لها؛ تسليح، تأمين، حماية، اقتصاد... وغير ذلك كثير.. وحين أصبح بعبع إيران مستهلكاً ومكشوفاً كان لا بد من إعادة تهيئته وتجديد وجوده وتطوير تهديداته، بما يناسب المرحلة ويتكيف مع الظروف، التي هي الأخرى لم تكن ظرفية أو مفاجأة، وإنما سارت وأصبحت ماهي عليه الآن ضمن مخطط أمريكي بريطاني إسرائيلي مسبق..!! ○ ولقد أصبح من المعيب اليوم أن يظل هناك من يعتقد أن بين أمريكي وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى عداء وخصومة، وأنه يمكن أن تقوم بين هذين الطرفين حرب كما يصور لنا، لأنهما في حقيقة أمرهما ليسا طرفين وإنما طرف واحد، تلتقي فيه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وإيران، وكل عضو فيه يؤدي الدور المناط به، لإبقاء هذه المنطقة بين فكي الشيطان أو على حافة جحيم لا تنطفئ ناره ولا يستكين أواره.. في سبيل بقاء وإبقاء حال السيطرة المطلقة على المنطقة في يد الغرب المتوحش، خصوصا مع اشتمام إمكانية تراجع سيطرة القطب الواحد والمنفرد بحكم العالم، وعودة الحديث عن إمكانية عودة القطبية الثنائية بين الشرق والغرب..!! ○ وبما أن هذه المنطقة تمثل أهمية كبيرة بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي برا وبحراً، باعتبارها حداً فاصلاً أو مشتركا بين مستعمرات القطبين من جهة، وغناها بالثروات النفطية من جهة أخرى، فإن أمريكا وحلفاءها من الصعب إن لم يكن من المحال أن يفرطوا بها، أو أن يتركوها نهباً لقطبية العالم الأخرى في المشرق.. إن ما احتوى عليه الاتفاق المزعوم بين أمريكا وإيران اليوم ما هو إلا فصل جديد من التمكين في المنطقة، تمكين لذراع الغرب المتوغل في ثنايانا (إيران)، لأن إيران في كل الأحوال قد أصبحت مفتاح خارطة الشرق المتوسط، وحصان طروادة الذي يتسلل الغرب المستعمر في جوفه، وصولاً ليس إلى داخل جغرافيتنا وحسب، وإنما إلى داخل عقولنا وتفكيرنا العام كأنظمة وشعوب في هذه المنطقة، التي تحول موقعها الاستراتيجي والجغرافي من نعمة إلى نقمة، بل إلى لعنة لا ندري إلى متى ستلازمنا..!! |