في الأدبيات التقليدية تُفهم الدولة بوصفها جهازاً يحتكر إدارة اقتصاد وطني موحد. غير أن الحالة اليمنية أنتجت نموذجاً لا ينهار فيه الجهاز السياسي بالكامل، ولا يستمر فيه الاقتصاد كوحدة متماسكة. فما نشأ هو وضع تتعايش فيه السلطة مع تفكك المجال الاقتصادي، بما يجعل “الدولة” أقرب إلى بنية غير مكتملة الوظائف منها إلى كيان موحد أو منهار. ومن هنا تتحدد الدولة الرمادية بوصفها حالة تستمر فيها المؤسسات والسلطات الرسمية شكلياً، بينما تعمل البنية الاقتصادية وفق منطق انقسام ومصالح موازية تعيد إنتاج ذاتها.
أولًا: الانقسام النقدي وإعادة تعريف وظيفة النقود
لم يكن الانقسام النقدي بين صنعاء وعدن مجرد اختلاف في إدارة مؤسسة مركزية، بل لحظة إعادة تشكيل لوظيفة النقد نفسها داخل الاقتصاد.
فبدل أن تكون العملة وسيطاً موحداً للتبادل، أصبحت انعكاساً لتعدد مراكز القرار الاقتصادي. ومع تعدد أسعار الصرف، لم يعد السوق يعمل وفق إشارة نقدية واحدة، وإنما وفق إشارات متوازية تعكس الجغرافيا السياسية للسلطة.
هذا التحول أدى إلى انفصال تدريجي بين وحدة الاقتصاد الاسمية ووحدته الفعلية، بحيث استمر الشكل النقدي الموحد بينما تباينت قواعد عمله.
ثانيًا: إعادة توزيع الربح داخل اقتصاد العبور
أعاد النزاع تشكيل بنية الربح، عبر انتقال مركز القيمة نحو التحكم في الحركة الاقتصادية نفسها، وليس عبر الانتاج.
فالمنافذ، وسلاسل التوريد، ونقاط الجباية أصبحت مصادر إنتاج دخل قائمة بذاتها بعد أن كانت مجرد أدوات تنظيم. وبهذا الانتقال، انتقل توليد القيمة من خلق السلع إلى إدارة مرورها.
هذا التحول أعاد ترتيب الاقتصاد حول “التحكم في المسار” بدلاً من “إنتاج المحتوى”، وهو ما خلق أنماط ربح تعتمد على استمرار الانقسام الإداري نفسه.
ثالثًا: الاقتصاد غير المنتج واستقرار الحد الأدنى
في بيئة يتراجع فيها الاستثمار والإنتاج، تتقدم التدفقات الخارجية بوصفها مكوناً بنيوياً للاقتصاد.
أصبحت تحويلات المغتربين والمساعدات الإنسانية جزءاً من البنية الاقتصادية التي تعيد إنتاج الاستهلاك والدخل، كما أسهمت في تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في بيئة محدودة القدرة الإنتاجية، بما يتجاوز دورها التعويضي التقليدي. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المساعدات الإنسانية بوصفها عنصراً محايداً في اقتصاد الحرب، إذ تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أنماط التوزيع والاستهلاك وآليات التكيف الاقتصادي التي تشكلت خلال سنوات الصراع.
ونتيجة لذلك، انتقل مركز الثقل الاقتصادي من توليد الفائض إلى إدارة الاستهلاك المموّل من موارد تتدفق من خارج الدورة الإنتاجية المحلية.
رابعًا: تحول معيار الشرعية
تغيرت وظيفة السلطة تحت ضغط الانكماش الاقتصادي الطويل، فتحول معيار الأداء من تحقيق النمو والتوسع إلى إدارة الهشاشة ومنع الانهيار.
هذا التحول أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع: من علاقة إنتاج إلى علاقة احتواء، حيث تصبح الشرعية مرتبطة باستمرار الحد الأدنى من التدفقات والخدمات، لا بتحسين شروط المعيشة.
وبذلك انتقل معيار الحكم من “الإضافة” إلى “المنع”.
خامسًا: الدولة كإدارة للانقسام
تحول الانقسام من حالة استثنائية إلى أحد مكونات طريقة عمل الدولة.
فالترتيبات الاقتصادية والإدارية التي نشأت خلال سنوات الصراع لم تكتفِ بتوفير آليات للتعايش، وإنما أفرزت مراكز منفعة ارتبطت مصالحها باستمرار التعدد القائم. كما باتت بعض أشكال النفوذ تعتمد على بقاء الحدود الاقتصادية ذاتها بوصفها مصدراً للموارد والسلطة.
وبهذا المعنى، يتجاوز الانقسام كونه خللاً مؤقتاً في بنية الدولة، ليصبح جزءاً من البنية التي تعيد إنتاج مصالحها وتدافع عن استمرارها
خاتمة: حدود إعادة بناء الدولة
تتجسد المعضلة الحقيقية في تعدد المنطق التشغيلي للدولة. فالمجال الاقتصادي يتسم بالتشرذم والتشظي، حيث تحول إلى شبكة من الأنظمة الجزئية التي تعمل ضمن جغرافيا سياسية متداخلة، مما يجعل توحيد المؤسسات فوقه أمراً متعذراً.
وعليه، يتطلب أي مسار لإعادة بناء الدولة البدء أولاً بتفكيك الوظائف الاقتصادية التي تضمن استمرار الانقسام وإعادة إنتاجه، وتجاوز فكرة الدمج المؤسسي التقليدي كخطوة أولية.
إذ تتجذر إشكالية إعادة بناء الدولة في اليمن في اصطدامها ببنىً سلطوية قائمة ونشطة، تعمل وفق منطق اقتصادي موازٍ ومغاير تماماً لمفهوم الدولة الحديثة، وليس في مواجهتها لفراغ مؤسسي.