Najib Mikati
بحث

اقتصاد

تحرير الدولار الجمركي بين وعود الإصلاح ومخاوف التضخم.. اختبار صعب لقدرة الحكومة

اليمن اليوم - خاص:

|
منذ 14 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

أثار قرار الحكومة اليمنية تحرير سعر الصرف الجمركي، ورفعه من نحو 750 ريالاً للدولار إلى أكثر من 1500 ريال، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الاقتصادية والشعبية، في ظل مخاوف من تداعياته على أسعار السلع ومستوى المعيشة. وبينما تصف الحكومة الخطوة بأنها جزء من مسار إصلاح مالي وإداري شامل، يرى خبراء ومراقبون أن القرار، بصيغته الحالية، ينطوي على مخاطر حقيقية إذا لم يُنفذ ضمن حزمة إصلاحات هيكلية متكاملة تعالج اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.

وخلال اجتماعها الأخير، أكدت الحكومة أن رفع الدولار الجمركي لا يستهدف السلع الأساسية المعفاة قانوناً من الرسوم، بل يركز على السلع الكمالية وغير الأساسية، معتبرة أن الهدف هو حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز الإيرادات العامة، ومواجهة الاحتكار. وأوضحت أن القرار يأتي ضمن توجه أوسع لتفعيل أدوات الرقابة، وفي مقدمتها اللجنة العليا للمناقصات، وضبط الإجراءات التعاقدية والمالية لمؤسسات الدولة.

الصحفي والناشط السياسي راسخ بامسلم يرى أن القرار جاء مجتزأً، ويعكس غياب الإصلاحات الحقيقية التي يفترض أن تسبقه. ويشير إلى أن تحرير الدولار الجمركي رُفض سبع مرات في عهد الحكومة السابقة، وأن القرار الرئاسي رقم (11) لسنة 2025 اشترط صراحة تنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة، خصوصاً في توحيد الأوعية الإيرادية، قبل الإقدام على هذه الخطوة. ويعتبر بامسلم أن الاكتفاء بمنح بدل غلاء معيشة لا يتجاوز 20 في المائة يشبه “تخدير الشارع”، في وقت يعاني فيه المواطنون من انقطاع المرتبات وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، موجهاً دعوة مباشرة لرئيس الوزراء شائع الزنداني إما للبدء بحملة إصلاح جادة وشاملة أو تحمل المسؤولية السياسية كاملة.

ومن زاوية أكاديمية أعمق، يلفت علي ناصر الزامكي، أستاذ الإدارة المالية المشارك ومساعد نائب رئيس جامعة عدن، إلى أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في أثر القرار الجمركي المباشر، بل يجب النظر إليه ضمن سلسلة التكلفة الكاملة للاستيراد. ويوضح أن المشكلة الحقيقية تكمن في تراكم طبقات متعددة من التكاليف، تبدأ من ارتفاع تأمين الشحن ومخاطر البحر الأحمر، مروراً باحتكار النقل الداخلي، والجبايات غير القانونية عند المنافذ والنقاط، وانتهاءً بضعف تنفيذ القرار الرئاسي الخاص بتوحيد الإيرادات، إضافة إلى التلاعب بالفواتير والتهرب الجمركي. ويرى الزامكي أن هذه العوامل قد تفرغ القرار من مضمونه، وتجعل الملتزم بالقانون يدفع ثمناً أعلى، بينما تستمر شبكات التسرب المالي في الإفلات.

في المقابل، يقدم المحلل الاقتصادي وحيد الفودعي قراءة حسابية مغايرة، معتبراً أن الحديث عن ارتفاع تلقائي للأسعار بنسبة تفوق 100 في المائة هو طرح مضلل. ويؤكد أن الزيادة تنعكس فقط على قيمة الرسوم الجمركية، لا على إجمالي تكلفة السلعة. وبحسب محاكاته، فإن السلع الأساسية المعفاة لن تتأثر مطلقاً، بينما لن يتجاوز الأثر النهائي على أسعار السلع الخاضعة لرسوم 5 أو 10 في المائة حدود 2 إلى 4 في المائة فقط، إذا ما احتُسبت التكاليف وهوامش الربح بشكل سليم. ويرى الفودعي أن القرار قد يضاعف الإيرادات الجمركية نظرياً، لكنه يشدد على أن تحقيق هذا السيناريو مشروط برقابة صارمة، ومكافحة التلاعب بالفواتير، وأتمتة العمل الجمركي، وضمان توجيه الإيرادات الإضافية لصرف المرتبات وتحسين الخدمات.

وبين التفاؤل الحكومي بلغة الأرقام، والتشكيك الواسع المستند إلى واقع مليء بالجبايات والاحتكارات وضعف الرقابة، يقف قرار تحرير الدولار الجمركي عند مفترق طرق. فنجاحه أو فشله لن يُحسم بالنصوص والقرارات، بقدر ما سيتحدد بقدرة الدولة على بسط سيادتها المالية، وكبح الجشع التجاري، وتحويل الإيرادات الجديدة إلى أثر ملموس يخفف من معاناة المواطن، لا أن يضيف عبئاً جديداً إلى كاهله.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية