|
A+
A-
في اللحظات الانتقالية من تاريخ الدول، يكثر السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: هل نبدأ بالأمن أم بالمؤسسات؟ هل الأولوية لفرض الاستقرار أم لاستعادة الرقابة الدستورية؟ غير أن التجربة السياسية الرصينة تُعلّمنا أن طرح السؤال بهذه الثنائية قد يكون مضلِّلًا؛ فالدولة لا تُبنى بخيارٍ واحد، بل بمنظومةٍ متكاملة تكمِل عناصرها بعضها بعضًا. الأمن ضرورة لا جدال فيها. فلا يمكن لمؤسسة أن تعمل في بيئة مضطربة، ولا يمكن لبرلمان أن ينعقد، أو لمجالس محلية أن تؤدي دورها، في ظل انفلات أو تعدد مرجعيات القوة. الحد الأدنى من الاستقرار شرطٌ تشغيلي يؤمّن المقرات، ويحمي المسؤولين، ويضبط المجال العام. لكن هذا الحد الأدنى، مهما كان مهمًا، لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة. الأمن الذي لا يستند إلى شرعية يتحول إلى إدارة أزمة لا إلى تأسيس استقرار. وقد ينجح مؤقتًا في فرض النظام، لكنه لا ينجح في ترسيخ الطمأنينة. فالطمأنينة تنبع من شعور المواطن بأن السلطة خاضعة لقواعد، وأن القرار العام ليس مطلقًا، بل محكومٌ برقابة ومساءلة. هنا تتقدم مسألة استعادة المؤسسات الرقابية إلى واجهة النقاش، لا بوصفها ترفًا دستوريًا، بل باعتبارها صمام أمان سياسيًا وأمنيًا في آنٍ واحد. إن تفعيل دور البرلمان، وإعادة الاعتبار للمجالس المحلية، واحترام الاختصاصات المحددة في الدستور، كلها خطوات تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع من علاقة إدارة إلى علاقة تعاقد. الإشارة إلى المادة (86) من الدستور ليست استدعاءً لنص جامد، بل تذكيرٌ بروحٍ تؤكد مسؤولية الحكومة أمام ممثلي الشعب، وحق الرقابة البرلمانية على الأداء التنفيذي. حين يُفعَّل هذا المبدأ، تُفتح قنوات مؤسسية لتصحيح الأخطاء، وتُغلق في المقابل أبواب الاحتقان التي تنشأ عادة عندما تغيب المساءلة.
لهذا فإن الإجابة على السؤال القديم ليست اختيار أحد الطرفين، بل بناء المعادلة كاملة: لا أمن بلا شرعية… ولا شرعية بلا رقابة. |