Najib Mikati
بحث

اراء

26 سبتمبر: ماذا بقي من اقتصاد الجمهورية؟

نايف حمود العزي

|
منذ 13 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

يمكن قراءة 26 سبتمبر 1962 اقتصاديًا باعتباره بداية لمسار غيّر موقع الدولة في الاقتصاد اليمني. قبل الثورة، كانت مؤسسات الدولة الحديثة محدودة، وغلب على النشاط الاقتصادي الإنتاج الزراعي المعيشي والأسواق المحلية، مع ضعف الإدارة والتعليم والبنية المؤسسية والارتباط بالاقتصاد الخارجي. بعد الثورة توسعت الإدارة العامة، وبدأ بناء مؤسسات الموازنة والتخطيط، وأُنشئ البنك المركزي عام 1971، وأصبحت الدولة طرفًا أوسع في التمويل والإنفاق وتوفير الخدمات وتنظيم النشاط الاقتصادي.

وكان الأهم في هذا التحول أن اتساع دور الدولة ترافق مع إدخال إدارة الموارد إلى إطار مؤسسي. فالموازنة، والائتمان، والخدمات، والوظائف، والعقود، والتراخيص أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بأجهزة الدولة وقواعدها، بعد أن كانت المكانة السياسية والاجتماعية تؤدي دورًا أكبر في تحديد الوصول إلى الموارد.

أولًا: من الامتياز إلى الريع

لم تختفِ الامتيازات مع بناء المؤسسات. ومع اتساع دور الدولة، اتسعت قدرتها على تخصيص موارد ذات قيمة اقتصادية: الأراضي، والعقود، والتراخيص، والائتمان، والإنفاق العام.

ويأخذ الامتياز طابعًا ريعيًا عندما يمنح النفوذ صاحبه عائدًا لا تفسره إنتاجية النشاط وحدها، سواء جاء ذلك من عقد بشروط تفضيلية، أو وصول أسهل إلى مورد عام، أو حماية من المنافسة.
وتصبح لهذه الميزة آثار تتجاوز صاحبها عندما تدخل في حسابات الاستثمار. فالمستثمر يقارن بين نشاط إنتاجي يتحمل تكاليف التمويل والطاقة والمنافسة والمخاطر، ونشاط يمكن أن يتعزز عائده بميزة مرتبطة بالنفوذ. وكلما اتسع الفارق، زادت جاذبية الأنشطة المرتبطة بالوصول إلى الموارد على حساب الأنشطة التي تعتمد أساسًا على الإنتاجية.

لذلك يتجاوز أثر الامتياز توزيع الدخل إلى وجهة رأس المال والمهارات، ونوع الأنشطة القادرة على جذبها. وتتحدد قيمة المؤسسة اقتصاديًا بقدرتها على جعل العائد أقرب إلى نتيجة للإنتاجية والمخاطرة والكفاءة، وأبعد عن النفوذ في الوصول إلى الموارد.

ثانيًا: الانقسام السياسي وتكلفة النشاط

أدخلت الحرب تغيرًا أعمق في هذه العلاقة. مع انقسام المؤسسات وتعدد مراكز السلطة، لم يعد الفاعل الاقتصادي يتحرك داخل إطار مؤسسي واحد، أصبح يعمل في بيئات تختلف فيها القواعد النقدية والمالية والتنظيمية نفسها.
يصف البنك الدولي اليمن بأنه منقسم إلى منطقتين اقتصاديتين بمؤسسات وسلطات نقدية وأسعار صرف مختلفة، مع تشوهات مرتبطة بعدم تنسيق السياسات وازدواج الضرائب، كما أدى الانقسام النقدي إلى اختلافات في العملة المتداولة وسعر الصرف بين المناطق.
الأثر الاقتصادي يتجاوز وجود سعرين للصرف، فاختلاف العملة والسياسة النقدية يغير قيمة المدفوعات والتسويات وتكلفة التمويل ومخاطر التجارة، بينما تغير الضرائب والرسوم تكلفة انتقال السلع ووصولها إلى الأسواق.

أصبحت البيئة المؤسسية التي يعمل فيها النشاط جزءًا من تكلفته، فالتاجر لا يحسب تكلفة الشراء والنقل والتمويل فقط، وإنما تدخل في حساباته القواعد التي ترافق السلعة خلال انتقالها. والمنتج لا يختار موقعه وفق تكلفة الأرض والطاقة والعمل وحدها؛ تدخل في القرار إمكانية الوصول إلى المدخلات والتمويل والسوق، وما يترتب عليها من أعباء ومخاطر.
وعندما تختلف هذه الشروط بين المناطق، تختلف ربحية النشاط نفسه. وقد تصبح ميزة الموقع داخل منظومة السلطة أكثر تأثيرًا في العائد من فرق محدود في الكفاءة الإنتاجية.
اختلاف السلطة → اختلاف التكلفة → اختلاف العائد → إعادة توزيع الموارد.

بهذه الآلية تتحول التجزئة السياسية إلى عامل اقتصادي يحدد أين يذهب رأس المال، وأين تتركز التجارة، وأي الأسواق تصبح أكثر جاذبية.

ثالثًا: ماذا بقي من اقتصاد الجمهورية؟

بعد أكثر من ستة عقود على 26 سبتمبر، لا يظهر أثر الجمهورية الاقتصادي في عدد المؤسسات التي بقيت قائمة، بل في قدرتها على جعل المجال الاقتصادي قابلًا للعمل وفق قواعد مشتركة.
الحرب أضعفت هذه القدرة، أصبحت العملة، وسعر الصرف، والرسوم، والقواعد التنظيمية، وشروط الوصول إلى الأسواق والتمويل، عناصر تختلف باختلاف موقع النشاط داخل الانقسام.
لذلك فإن توحيد المؤسسات النقدية والمالية، على أهميته، لا يكفي وحده، فالمؤسسة الموحدة لا تنتج سوقًا موحدة إذا بقيت تكلفة حركة السلع والمدفوعات مختلفة من منطقة إلى أخرى. لذلك يبدأ التقارب الاقتصادي من القواعد التي تحكم هذه الحركة، خصوصًا الجمارك والرسوم والتسويات والمدفوعات.
إن اقتصاد الجمهورية لا يعني إلغاء تفاوت الدخول والعوائد، فهذه جزء من أي اقتصاد تنافسي. المعيار هو أن يكون الوصول إلى الموارد والأسواق محكومًا بقاعدة عامة، وأن تعكس فروق العائد الإنتاجية والمخاطرة والكفاءة، لا موقع الفاعل داخل شبكة السلطة. عندها يصبح توحيد المؤسسات استعادةً لوظيفتها، لا مجرد إعادة بناء هياكلها.

 

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية