|
A+
A-
يمكن قراءة 26 سبتمبر 1962 اقتصاديًا باعتباره بداية لمسار غيّر موقع الدولة في الاقتصاد اليمني. قبل الثورة، كانت مؤسسات الدولة الحديثة محدودة، وغلب على النشاط الاقتصادي الإنتاج الزراعي المعيشي والأسواق المحلية، مع ضعف الإدارة والتعليم والبنية المؤسسية والارتباط بالاقتصاد الخارجي. بعد الثورة توسعت الإدارة العامة، وبدأ بناء مؤسسات الموازنة والتخطيط، وأُنشئ البنك المركزي عام 1971، وأصبحت الدولة طرفًا أوسع في التمويل والإنفاق وتوفير الخدمات وتنظيم النشاط الاقتصادي. وكان الأهم في هذا التحول أن اتساع دور الدولة ترافق مع إدخال إدارة الموارد إلى إطار مؤسسي. فالموازنة، والائتمان، والخدمات، والوظائف، والعقود، والتراخيص أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بأجهزة الدولة وقواعدها، بعد أن كانت المكانة السياسية والاجتماعية تؤدي دورًا أكبر في تحديد الوصول إلى الموارد. أولًا: من الامتياز إلى الريع لم تختفِ الامتيازات مع بناء المؤسسات. ومع اتساع دور الدولة، اتسعت قدرتها على تخصيص موارد ذات قيمة اقتصادية: الأراضي، والعقود، والتراخيص، والائتمان، والإنفاق العام. ويأخذ الامتياز طابعًا ريعيًا عندما يمنح النفوذ صاحبه عائدًا لا تفسره إنتاجية النشاط وحدها، سواء جاء ذلك من عقد بشروط تفضيلية، أو وصول أسهل إلى مورد عام، أو حماية من المنافسة. لذلك يتجاوز أثر الامتياز توزيع الدخل إلى وجهة رأس المال والمهارات، ونوع الأنشطة القادرة على جذبها. وتتحدد قيمة المؤسسة اقتصاديًا بقدرتها على جعل العائد أقرب إلى نتيجة للإنتاجية والمخاطرة والكفاءة، وأبعد عن النفوذ في الوصول إلى الموارد. ثانيًا: الانقسام السياسي وتكلفة النشاط أدخلت الحرب تغيرًا أعمق في هذه العلاقة. مع انقسام المؤسسات وتعدد مراكز السلطة، لم يعد الفاعل الاقتصادي يتحرك داخل إطار مؤسسي واحد، أصبح يعمل في بيئات تختلف فيها القواعد النقدية والمالية والتنظيمية نفسها. أصبحت البيئة المؤسسية التي يعمل فيها النشاط جزءًا من تكلفته، فالتاجر لا يحسب تكلفة الشراء والنقل والتمويل فقط، وإنما تدخل في حساباته القواعد التي ترافق السلعة خلال انتقالها. والمنتج لا يختار موقعه وفق تكلفة الأرض والطاقة والعمل وحدها؛ تدخل في القرار إمكانية الوصول إلى المدخلات والتمويل والسوق، وما يترتب عليها من أعباء ومخاطر. بهذه الآلية تتحول التجزئة السياسية إلى عامل اقتصادي يحدد أين يذهب رأس المال، وأين تتركز التجارة، وأي الأسواق تصبح أكثر جاذبية. ثالثًا: ماذا بقي من اقتصاد الجمهورية؟ بعد أكثر من ستة عقود على 26 سبتمبر، لا يظهر أثر الجمهورية الاقتصادي في عدد المؤسسات التي بقيت قائمة، بل في قدرتها على جعل المجال الاقتصادي قابلًا للعمل وفق قواعد مشتركة.
|