Najib Mikati
بحث

منوعات

رحلة الدمبلينغ: من الشرق إلى الغرب عبر طريق الحرير

وكالات

|
منذ 10 ساعات
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

تبدأ قصة تحوّل هذه المعجنات اللذيذة رحلتها من الصين، مروراً بآسيا الوسطى والقوقاز الجنوبي، وصولاً إلى أوروبا، لتنسج عبر دروب التجارة حكاية "حزام الدمبلينغ" الذي تطور وتغير اسمه وشكله وطريقة طهيه كلما اتجه غرباً.

في الصين القديمة، تعود أصول الدمبلينغ إلى طبيب أسطوري قبل ألفي عام، ابتكرها كعلاج لأذان متجمدة، فصنعها على شكل آذان. وقد كشفت اكتشافات أثرية ونقوش قديمة أن هذه اللفائف البسيطة من العجين والحشوة كانت جزءًا من غذاء المسافرين على طرقات أوراسيا القديمة، تجمع بين الطب والغذاء والصبر.

ومع التجار والرحالة، انطلقت الدمبلينغ غربًا، فتكيفت مع المناخات والأذواق الجديدة. في آسيا الوسطى، أصبحت أكبر وأكثر دسامة مثل "مانتي"، وحُشيت بلحم الضأن والبصل، وطُهيت بالبخار. وفي أوزبكستان، برزت "تشوتشڤارا" و"مانتي" الرقيقتان، وفي أذربيجان، ابتُكرت "دوشبارا" و"گورزا" الدقيقتان، كل منها يعكس هوية المنطقة وتقاليدها.

في أذربيجان، تحتل "دوشبارا" و"گورزا" مكانة خاصة. "دوشبارا" صغيرة جدًا، تُحشى بلحم الضأن المفروم وتُقدم في مرق شهي، بحيث يمكن وضع عشرات منها في ملعقة واحدة. أما "گورزا"، فهي أكبر قليلاً، وتُطوى بطريقة تشبه الضفيرة، تذكرنا بالثعبان. تعتمد هاتان الأكلتان على بساطة المكونات، لكن سرّ تميزهما يكمن في الدقة والصبر المطلوبين لتشكيلهما، وهي مهارات تتوارثها الأجيال.

يقول الشيف إلكين أكبر زاده، رئيس جمعية باكو للطهي: "الدمبلينغ جزء لا يتجزأ من تراثنا. أعتقد أن الكثير منها جاء من آسيا والصين، وتحول ليناسب كل ثقافة وشعب ومنطقة. تُصنع جميعها من الطحين، وتُؤكل عادة في الأشهر الباردة لتدفئة الجسم."

في أوزبكستان، تُعد "مانتي" من أشهر أنواع الدمبلينغ، وهي كبيرة وتُطهى بالبخار، وتُحشى عادة بلحم الضأن أو البقر والبصل. تقول يولداز رحمونوفا: "تعلمت صنع المانتي من جدتي، التي علمتنا بصبر حرفة المطبخ الأوزبكي. نسبة البصل إلى اللحم متساوية، مما يمنحها نكهتها المميزة." وتضيف أن العجين يجب أن يكون رقيقًا وقويًا، وأن عملية الطي تُعتبر فنًا.

تنتقل الرحلة إلى كازاخستان، حيث تحتل "مانتي" مكانة مهمة في الحياة اليومية والاحتفالات. تُعتبر أسهل في التحضير مقارنة بأطباق أخرى، وتُمرر وصفتها عبر الأجيال. تقول دينا أمانجلدينا: "أتذكر كيف كانت أمي تطبخ المانتي في الأعياد، وكنا نساعدها في تشكيلها. الآن، أصبحت جزءًا أساسيًا من مطبخنا."

مع وصول حزام الدمبلينغ إلى أوروبا، تتطور الفكرة إلى أشكال أنيقة مثل "الرافيولي" و"التورتيليني" في إيطاليا، و"البيروجي" في بولندا، و"البيلميني" في روسيا. حتى في فرنسا وإسبانيا، نجد أصداء لفكرة جمع العجين والحشوة، مع تكييفها مع الأذواق المحلية. هذه الرحلة الطويلة للدمبلينغ، من الصين القديمة إلى موائد أوروبا، لا تروي قصة طعام فحسب، بل قصة تبادل إبداع بشري مشترك، تثبت أن أعظم الأطباق العالمية قد تبدأ ببساطة من الطحين والحشوة وبعض الأيدي الصبورة.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية