Najib Mikati
بحث

منوعات

مقصورات التصوير: سحر الماضي في عصر الرقمنة

وكالات

|
منذ 11 ساعة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة الرقمية، قد تبدو مقصورات التصوير الفوتوغرافي كأنها أشباح من الماضي، تتوارى في زوايا مراكز التسوق المهجورة أو محطات القطار المزدحمة. لكن خلف ستائرها، تختبئ كنوز من الذكريات، فكل ومضة كاميرا كانت تحكي قصة تعبيرات إنسانية حميمة، تاركة خلفها صورة مطبوعة كشاهد دائم على لحظات عابرة.

يعود تاريخ هذه المقصورات إلى أكثر من قرن، عندما ابتكر المهاجر اليهودي أناتول جوزيفو أول آلاته الأوتوماتيكية "فوتوماتون" في نيويورك عام 1925. كانت هذه الآلات، التي تعمل بوضع عملة معدنية، تنتج ثماني صور في غضون عشرين ثانية، وسرعان ما اكتسبت شعبية جارفة بين رواد المسارح، كما وصفها تاريخ التصوير الفوتوغرافي. لقد مثلت هذه الآلات ثورة في وقت كان فيه التقاط صورة يتطلب زيارة مصور محترف، وهو أمر كان مكلفًا وغير متاح للجميع.

يقول راينال بيليسير، صانع أفلام وكاتب فرنسي، إن "الفوتوماتون قدم التصوير الفوتوغرافي بدون مصور. لقد كنت أنت الموضوع والمصور في آن واحد". وأضاف أن هذه التجربة منحت الناس حرية كسر جميع القيود الفوتوغرافية، والتعبير عن أنفسهم بحرية، سواء بتدوير ظهورهم للعدسة أو إطلاق العنان لوجوههم المرحة. لقد كانت مساحة حميمة، مساحة للحرية المطلقة للأزواج، بجميع أشكالهم.

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة وهيمنة التكنولوجيا الرقمية، بدأت المقصورات القديمة في التلاشي، لتحل محلها آلات أحدث بشاشات لمس واتصال بالإنترنت، مما جعلها تبدو أكثر حداثة ولكن أقل سحرًا. يقول إيدي بورجوا، الشريك في شركة "فوتوأوتومات" الفرنسية، إن "المقصورات التناظرية أصبحت قطعًا أثرية نادرة، جزءًا من تراث فوتوغرافي كاد أن يندثر". ومع ذلك، لاحظ بورجوا، الذي بدأ في ترميم المقصورات القديمة حوالي عام 2007، أن هذه الآلات بدأت تستعيد بريقها كبوابات لعالم قديم، تشجع على الإبداع والمرح.

لقد ألهمت مقصورات التصوير خيال العديد من الفنانين على مر العقود، مثل آندي وارهول وسلفادور دالي، الذين احتفوا بسحرها الفريد، تلك المساحة الخالية من القواعد المجتمعية والمنطق. الصورة المنبعثة من مقصورة التصوير لا تخضع للتحكم الكامل، بل تحتفظ بجودة عفوية، وهي نقيض الصور المصقولة والمعدلة التي نراها اليوم. إنها تجسيد للحميمية المتناقضة: مساحة مغلقة داخل مكان عام.

في عصر الإعلان الذاتي المستمر، تظل مقصورة التصوير نقيضًا لما هو سائد. إنها مكان خالٍ من النقد والمقارنة والتفكير المفرط. مكان مجهول، غير متوقع، وإنساني بالكامل. يعتقد بيليسير أن هذه الصفات هي ما سيبقيها حية، حيث يُظهر الجيل الشاب حماسًا لا يصدق لهذا النمط القديم من التصوير الذاتي. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه صيانة هذه المقصورات، لا سيما ندرة المواد المتخصصة، إلا أن الجهد يستحق العناء. فكل صورة مطبوعة هي نسخة فريدة، تحمل جمالية الأبيض والأسود، ووضوح الفيلم التناظري، ومتعة امتلاك صورة ملموسة في اليد.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية