فتح الكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل، أورهان باموق، أبواب متحف البراءة الشهير أمام عدسة "يورونيوز"، ليشاركنا رؤيته الفلسفية العميقة وراء روايته التي تحولت إلى واقع ملموس، وكيف تتجسد فيه قوة الأشياء في استحضار الذاكرة الإنسانية. يُعدّ "متحف البراءة" قصة فريدة بدأت كرواية عام 2008، ثم تحولت إلى متحف جسدي عام 2012، واكتسبت بعداً أوسع مع مسلسل نتفليكس الذي عُرض هذا العام. استقبلنا باموق بحفاوة شخصية في المتحف، حيث تحدث عن فلسفة الرواية، وقدرة الأشياء على حفظ الذكريات، ورؤيته لإرث هذا المتحف الاستثنائي. تُفتتح الرواية بجملة لا تُنسى: "لم أكن أعرف أنها أسعد لحظات حياتي"، وهي الآن تُعدّ من الافتتاحيات الأدبية الأكثر تأثيراً في العالم. يختتمها باموق بجملة موازية: "ليعلم الجميع، لقد عشت حياة سعيدة جداً". هاتان الجملتان، التي تتشارك كلمات مفتاحية مثل "السعادة"، "الحياة"، و"العلم"، تعكسان جوهر الرواية. يشرح باموق: "قد نكون سعداء، لكننا قد لا ندرك ذلك؛ بطل الرواية كمال يجسد هذا تماماً. أؤمن بأن القيمة الأهم في الحياة هي السعادة". لم تكن فكرة المتحف وليدة اللحظة بعد نجاح الرواية، بل كانت متزامنة مع عملية الكتابة. يؤكد باموق: "فكرت في المتحف والرواية في نفس الوقت. في الواقع، عندما اشتريت هذا المبنى عام 1998، لم أكن قد بدأت بعد في كتابة الرواية". لقد اشترى الأغراض المعروضة وجمعها، ثم كتب الرواية مستلهماً منها، حيث أن جوهر القصة هو رجل يجمع أشياء حبيبته التي يعشقها، كبديل عن حبيبته التي لا يستطيع الوصول إليها. يصف باموق المتحف بأنه "أرشيف للسعادة" و"أرشيف للحياة الحضرية في إسطنبول"، فهو لا يقتصر على كونه مجرد متحف لرواية، بل هو نافذة على تاريخ الحياة اليومية في إسطنبول، خاصة الحياة البرجوازية العلمانية الغربية منذ الخمسينيات وحتى الآن. الفكرة مستوحاة من لقائه بأحد أفراد السلالة العثمانية، الذي كان مديراً لمتحف، مما أثار تساؤله: "هل يمكن أن يكون الشخص موضوعاً وذاتاً في نفس الوقت في المتحف؟". في نهاية حديثه، يتطرق باموق إلى علاقة الأشياء بالذكريات، قائلاً: "أعتقد أن حول كل شيء، هناك هالة تتكون من ذكريات وتحيزات لا ندركها". روايته ومتحفه مبنيان على هذه الفكرة، حيث أن جمع كمال لأغراض حبيبته كان يعوضه عن فقدانها. ويختتم باموق قائلاً: "هذا المتحف، سواء كرواية أو كمتحف، هو تجسيد لقوة التذكير. إنه ليس مجرد مكان يعرض أغراض الحبيبة السابقة، بل هو اعتراف صريح بها، إعلان بأنني عشت حياة عميقة، حتى لو كانت مليئة بالألم، وأن هذه الذكريات جزء لا يتجزأ من هويتي". |