Najib Mikati
بحث

اقتصاد

تقرير أمريكي: العالم يواجه تحدي "تسليح الاقتصاد" بعد أزمة مضيق هرمز

وكالات

|
منذ 6 ساعات
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

كشفت أزمة التهديد بإغلاق مضيق هرمز خلال المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران عن حجم الهشاشة التي لا تزال تعانيها المنظومة الاقتصادية العالمية، رغم سنوات من الحديث عن تنويع مصادر الطاقة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدولية.

فبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن الأزمة لم تكن مجرد تهديد لتدفق النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل كشفت خللاً هيكلياً أعمق في الاقتصاد العالمي قد يستغرق إصلاحه سنوات طويلة.

ورغم استمرار وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران، إلا أن التداعيات التي أحدثتها الأزمة دفعت الحكومات والشركات الكبرى إلى إعادة النظر في استراتيجيات الأمن الاقتصادي والطاقة، وسط مخاوف متزايدة من قدرة الدول على تحويل مواقعها الجغرافية أو سيطرتها على الموارد الحيوية إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي.

ويرى التقرير أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من الصراع الدولي تقوم على ما بات يعرف بـ"تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل"، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي العامل الحاسم في الصراعات، بل أصبحت السيطرة على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والمواد الخام الاستراتيجية جزءاً أساسياً من أدوات النفوذ العالمي.

وفي هذا السياق، اعتبر الأميرال جوزيبي كافو دراغوني، القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي، أن العالم يواجه تحدياً متنامياً يتمثل في استخدام الترابط الاقتصادي كسلاح جيوسياسي، ما يتطلب تنسيقاً غير مسبوق بين الحكومات والمؤسسات الأمنية والقطاع الخاص لمواجهة هذه المخاطر المتزايدة.

هرمز.. أكثر من مجرد ممر نفطي

لطالما اعتُبر مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. لكن الأزمة الأخيرة أظهرت أن أهمية المضيق تتجاوز البعد النفطي، فهو يمثل نموذجاً واضحاً لكيفية قدرة دولة تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً على التأثير في الأسواق العالمية وتهديد استقرار الاقتصاد الدولي.

وبحسب التقرير التحليلي، فإن إيران نجحت في استغلال موقعها الجغرافي لتوظيف المضيق كورقة ضغط في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي، وهو ما منحها أداة تأثير اقتصادية فعالة رغم الفارق الكبير في موازين القوة العسكرية بين الطرفين.

ويشير خبراء إلى أن مجرد التلويح بإغلاق المضيق كان كفيلاً بإثارة اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والتأمين والشحن البحري، وهو ما يؤكد استمرار اعتماد الاقتصاد العالمي على عدد محدود من الممرات الحيوية التي يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى بؤر أزمات دولية.

ولا يقتصر مفهوم "تسليح الاقتصاد" على إيران وحدها، إذ ترى الصحيفة أن الصين والولايات المتحدة تمثلان النموذج الأبرز لهذا النوع من الصراع خلال السنوات الأخيرة.

فالولايات المتحدة استخدمت لعقود هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي لفرض العقوبات الاقتصادية وعزل خصومها عن الأسواق الدولية. وفي المقابل، بنت الصين نفوذها عبر السيطرة على سلاسل توريد المعادن النادرة التي تعد عنصراً أساسياً في صناعات التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والمحركات النفاثة والطاقة النظيفة.

وأدى هذا الواقع إلى تصاعد المخاوف الغربية من قدرة بكين على استخدام تلك الموارد كورقة ضغط سياسية واقتصادية، خصوصاً مع تزايد الاعتماد العالمي على الصناعات التكنولوجية الحديثة.

ورداً على ذلك، بدأت الولايات المتحدة واليابان ودول أوروبية ضخ استثمارات بمليارات الدولارات لإنشاء مشاريع تعدين وتكرير جديدة خارج الصين، في محاولة لتقليل الاعتماد على المورد الصيني. غير أن النتائج لا تزال محدودة، ما يعكس حجم التعقيد الذي يواجه عملية إعادة بناء سلاسل الإمداد العالمية.

صعوبة فك الارتباط

ويؤكد التقرير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن شبكات التجارة العالمية الحالية لم تُبنَ خلال سنوات قليلة، بل تشكلت عبر عقود طويلة من التكامل الاقتصادي والتخصص الصناعي.

وقال غوراف غانغولي، رئيس قسم الاقتصاد الدولي في "موديز أناليتيكس"، إن فك هذه الروابط وإعادة تشكيلها عملية شديدة التعقيد وتتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة، مشيراً إلى أن الانتقال نحو بدائل أكثر أمناً لا يتم بالسرعة التي تتطلع إليها الحكومات.

وتبرز اليابان مثالاً واضحاً على هذه الصعوبات. فعلى الرغم من أنها بدأت منذ عام 2010 العمل على تقليل اعتمادها على المعادن النادرة الصينية، فإنها لا تزال تعتمد على الصين في نحو 60 بالمئة من احتياجاتها حتى اليوم، ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية.

ويرى خبراء الاقتصاد السياسي أن التحدي لا يقتصر على تنويع مصادر الإمداد، بل يتمثل أيضاً في تجنب الوقوع في تبعيات جديدة. فبعد الحرب الروسية الأوكرانية، اتجهت أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، لكنها وجدت نفسها أكثر ارتباطاً بإمدادات الغاز الطبيعي القادمة من الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، ما تزال الصين تهيمن على قطاعات استراتيجية مرتبطة بالبطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ويحذر الباحث أبراهام نيومان من أن محاولات التخلص من نقطة ضعف معينة قد تؤدي أحياناً إلى خلق نقاط ضعف جديدة يمكن استغلالها مستقبلاً، ما يجعل مهمة بناء منظومة اقتصادية عالمية أكثر استقلالاً ومرونة أمراً بالغ الصعوبة.

وأشار تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن أزمة مضيق هرمز لم تكن حدثاً عابراً مرتبطاً بتوتر إقليمي مؤقت، بل كشفت عن حقيقة أعمق تتعلق ببنية الاقتصاد العالمي نفسه. فرغم الجهود المتواصلة لإعادة توزيع سلاسل الإمداد وتنويع مصادر الطاقة والمواد الخام، لا يزال العالم يعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية والموارد الاستراتيجية التي يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط ونفوذ في أي لحظة.

ومع تزايد المنافسة بين القوى الكبرى وتصاعد النزاعات الجيوسياسية، تبدو مهمة بناء اقتصاد عالمي أكثر مرونة واستقلالية مشروعاً طويل الأمد يتطلب استثمارات هائلة وإرادة سياسية مستدامة، وقد يحتاج سنوات عديدة قبل أن تظهر نتائجه على أرض الواقع.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية