|
A+
A-
في التصورات التقليدية، يُفترض أن تنتهي الحروب عندما تصبح كلفتها الاقتصادية والاجتماعية أعلى من قدرة الأطراف على تحمّلها. غير أن هذا التصور يفترض بقاء الحرب حالة استثنائية تعطل الاقتصاد الطبيعي إلى حين عودة الاستقرار. لكن في اليمن، لم تعد الحرب تعطل الاقتصاد فقط، وإنما أعادت تشكيل الطريقة التي يتحرك بها أصلًا. فالانقسام القائم لا يظهر كخلل سياسي أو عسكري فحسب، بل كبنية اقتصادية يُعاد داخلها توزيع الثروة، وإنتاج النفوذ، وتنظيم الوصول إلى الموارد والتدفقات والأسواق. ومع الوقت، أصبح الانقسام إطارًا اقتصاديًا تنتظم داخله المصالح ومراكز النفوذ والتدفقات المالية، حيث ارتبط استمراره بمصالح اقتصادية تشكلت خلال سنوات الصراع، وبحوافز دفعت أجزاءً من البنية النافذة إلى التكيف مع استمراره أكثر من التكيف مع عودة الدولة.
أولًا: السيطرة على التدفقات في الاقتصادات الطبيعية، تتشكل الثروة غالبًا حول الإنتاج والاستثمار والتوسع السوقي. أما في اقتصاد الحرب، فتبدأ القيمة بالانتقال تدريجيًا من خلق الثروة إلى التحكم بمساراتها. ومع تراجع الاقتصاد الحقيقي، تتوسع الجبايات، وتزدهر الأسواق الموازية، وتتزايد أهمية السيطرة على التدفقات النقدية والتجارية، بينما تتراجع المنافسة لصالح شبكات الوساطة والاحتكار والقدرة على الوصول. هكذا، تتحول الحرب من حالة تعطل النشاط الاقتصادي إلى إطار يعيد توزيع الفرص والمكاسب وفقاً للقدرة على التحكم بمسارات الموارد والتدفقات. وفي هذا السياق، يصبح الانقسام جزءاً من آلية عمل السوق أكثر من كونه مجرد عائق أمامه. ثانيًا: صنعاء… السيطرة المركزية المغلقة أنتج اقتصاد الحرب في صنعاء أزمة معيشية حادة، وأعاد تشكيل السوق حول منطق السيطرة المركزية على الموارد والتدفقات. بدأ الاقتصاد يتحرك داخل فضاء مغلق نسبياً مع توسع الجبايات، وإعادة تنظيم الاستيراد، وإحكام القبضة على الدورة النقدية؛ فضاء لا تتحدد فيه الفرص بالكامل عبر آليات السوق، وإنما عبر القدرة على الوصول إلى الموارد والسيولة. وأصبح جزء واسع من النشاط الاقتصادي قائماً على العمل داخل هذا السوق المغلق، حيث تراجعت المنافسة تدريجياً لصالح الامتيازات المرتبطة بالقدرة على النفاذ إلى الموارد ومراكز القرار الاقتصادي. كما تحولت الفجوات في أسعار الصرف، والتباينات الحادة في الدورة النقدية بين مناطق الانقسام، إلى واحدة من أكثر مساحات الربح ارتباطاً باستمرار الاختلال. وبناءً على ذلك، لا تبدو عودة الاقتصاد الطبيعي تحولاً اقتصادياً مجرداً، إنما تُشكل تهديداً مباشراً لمصالح تشكلت وتوسعت داخل هذا الواقع المنقسم.
ثالثًا: عدن… التشظي وتعدد مراكز النفوذ على الجانب الآخر، أدى التشظي في عدن إلى نشوء اقتصاد افتراسي مفتوح على تعدد مراكز النفوذ، وتداخل السلطات، وضعف القدرة على فرض قواعد واضحة للسوق، عوضاً عن إنتاج سوق تنافسية مستقرة. لم تعد الفوضى مجرد نتيجة للانهيار، بل تحولت إلى بيئة تسمح بتوسع أنشطة الوساطة والمضاربة والصرافة والاقتصاد غير المنظم. فكلما اتسعت الفجوات بين السلطات والمؤسسات، ازدادت الفرص المتاحة لتحقيق مكاسب ناتجة عن غياب القواعد الموحدة للسوق. وبينما قامت صنعاء بهيكلة اقتصاد قائم على المركزية المطلقة، اتجهت عدن نحو اقتصاد التجزئة والتشظي. والمفارقة أن المسارين، على اختلافهما، يقودان إلى نتيجة متشابهة: اقتصاد تتراجع فيه المنافسة الطبيعية لمصلحة ترتيبات تستمد جزءاً من استمراريتها من بقاء الاختلالات القائمة رابعًا: السلام بوصفه خسارة اقتصادية تتجاوز المشكلة في اليمن غياب السلام لتصل إلى كون عودته تحمل كلفة اقتصادية مباشرة على شبكات واسعة تشكلت خلال الحرب. فالسلام لا يعني وقف القتال وحده، إنما يعني أيضًا توحيد الإيرادات، وضبط الجبايات، وإعادة تنظيم السوق النقدية، وتقليص الاقتصاد الموازي، وإخضاع التدفقات للرقابة، وإعادة بناء المؤسسات المركزية. لهذا، لا تقتصر مقاومة السلام على البعد العسكري، إذ تتقاطع مصالح بعض الشبكات مع استمرار الأوضاع القائمة أو مع تأجيل الإجراءات الاقتصادية والمؤسسية اللازمة لقيام دولة مستقرة. ومن هذه الزاوية، يهدد السلام بنى عسكرية وسياسية، فضلاً عن اقتصاد كامل تعلّم العيش والنمو من الانقسام، حيث يتجاوز هذا الاقتصاد الحدود المحلية الخالصة، لارتباطه بتدفقات وتحويلات وشبكات عابرة للحدود ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إبقاء بنية الاختلال قابلة للاستمرار دون الوصول إلى انهيار كامل أو تسوية حاسمة.
خامسًا: المجتمع داخل اقتصاد البقاء يظل المجتمع الطرف الأكثر انكشافاً داخل اقتصاد الحرب، بعيداً عن الشراكة الفعلية في عوائده، إذ يتحمل المواطن الكلفة اليومية للانقسام من خلال تآكل الدخل، وتراجع الخدمات، واتساع أنشطة البقاء قصيرة الأجل، والتكيف المستمر مع بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين. لا يقتصر أثر ذلك على التدهور المعيشي فحسب، وإنما يمتد إلى إعادة تشكيل السلوك الاقتصادي نفسه. فكلما طال أمد الانقسام، تراجعت الحوافز المرتبطة بالإنتاج والاستثمار، مقابل توسع الأنشطة القائمة على الوساطة والمضاربة والبحث عن مصادر دخل سريعة وقصيرة الأجل. يؤدي استمرار هذه التحولات إلى إضعاف قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مستقرة أو تكوين قاعدة إنتاجية قادرة على دعم التعافي مستقبلاً، الأمر الذي يجعل كلفة الانقسام تتجاوز خسائر الحاضر لتطال فرص التنمية في المستقبل أيضاً. من هذه الزاوية، يكتسب السلام بعداً اقتصادياً يتجاوز وقف القتال، لارتباطه بإعادة بناء البيئة المؤسسية والسوقية اللازمة لاستعادة النشاط الإنتاجي وتوجيه الحوافز الاقتصادية نحو الاستقرار بدلاً من التكيف مع الأزمة.
خاتمة تكشف التجربة اليمنية أن الحرب لم تترك وراءها انقساماً سياسياً وعسكرياً فحسب، وإنما أفرزت أيضاً حوافز اقتصادية ارتبطت باستمرار هذا الانقسام. وخلال سنوات الصراع، نشأت شبكات ومصالح تكيفت مع الواقع القائم، وأصبح جزء من استقرارها ومكاسبها مرتبطاً ببقاء البيئة التي نشأت فيها. ولهذا، يرتبط نجاح أي تسوية مستقبلية بقدرتها على إعادة تشكيل الحوافز الاقتصادية التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة، إلى جانب وقف القتال وإعادة بناء المؤسسات. فاستعادة الدولة لا تتحقق عبر الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما تتطلب أيضاً بناء بيئة يصبح فيها الاستقرار أكثر جدوى اقتصادياً من استمرار الانقسام، وتغدو فيها وحدة السوق والمؤسسات أكثر فائدة من المحافظة على الاختلالات القائمة. ⸻ نايف حمود العزي باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية 6/6/ 2026م |