Najib Mikati
بحث

اراء

سعر الصرف في عدن:لماذا تفشل القنوات الرسمية في ضبط السوق؟

نايف حمود العزي

|
منذ 10 ساعات
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

تفترض الأدبيات النقدية أن فاعلية السياسة النقدية لا تُقاس بامتلاك الأدوات، بل بقدرتها على الوصول إلى السوق عبر قنوات مؤسسية مستقرة. غير أن هذه القنوات، في سياقات الهشاشة، قد تتآكل تدريجيًا دون أن تختفي الأدوات نفسها.

المفارقة أن هذه القنوات لا تفشل رغم استمرار وجود أدوات السياسة النقدية، بل تفشل لأن السوق نفسه يعيد تشكيل قواعد عمله خارجها، في بيئة نقدية لا تعمل ضمن فضاء موحد، بل ضمن بنية منقسمة تُضعف من قدرة القنوات الرسمية على النفاذ والتأثير في المجال الذي يُفترض أن تضبطه.

في حالة عدن، لا يبدو أن الخلل يكمن في غياب السياسة النقدية، بل في انفصالها عن الواقع الاقتصادي، حيث تتشكل ديناميكيات سعر الصرف خارج الإطار الرسمي، وتُعاد صياغة آليات السوق بمعزل عن القنوات المؤسسية.

من هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى تفسير مستوى سعر الصرف بقدر ما يحاول الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية:
كيف ولماذا فقدت القنوات الرسمية قدرتها الفعلية على التأثير في السوق؟


أولًا: تفكك الوساطة المالية وخروج البنوك من المعادلة

في النظم الاقتصادية المستقرة، تمثل البنوك التجارية الحلقة الأساسية التي تربط بين البنك المركزي والنشاط الاقتصادي، حيث تمر عبرها أدوات السياسة النقدية لتؤثر في السيولة والائتمان وسعر الصرف. غير أن هذا الدور تآكل في عدن بشكل واضح.

فمع تراجع الثقة بالمؤسسات المصرفية، وضعف السيولة، وتزايد القيود التشغيلية، خرجت البنوك تدريجيًا من وظيفة الوساطة، تاركة هذا الدور لشبكات الصرافة التي تعمل خارج الإطار التنظيمي الصارم.

غير أن هذا التحول لا يمكن اختزاله كاختلال مؤقت في الأداء، بل يعكس انهيارًا أعمق في متغير الثقة (Trust) كركيزة أساسية للنظام المالي. فالثقة لا تُفرض بقرارات تنظيمية، ولا تُستعاد بإجراءات جزئية، بل تتشكل عبر استقرار مؤسسي مفقود في سياق اقتصاد الحرب.

في هذا السياق، لم تعد البنوك قادرة على استعادة دورها التقليدي، ليس فقط بسبب القيود التشغيلية، بل لأن الفاعلين الاقتصاديين أعادوا توجيه تعاملاتهم نحو قنوات بديلة أكثر مرونة وأقل تكلفة.

وبذلك، لم يعد البنك المركزي يتعامل مع السوق مباشرة، بل مع نظام موازٍ لا يخضع لنفس القواعد، ما أفقد السياسة النقدية إحدى أهم أدواتها التنفيذية، وحوّل القنوات الرسمية من مسارات فاعلة إلى هياكل شكلية محدودة التأثير.


ثانيًا: السوق الموازية كمحدد فعلي لسعر الصرف

في ظل تراجع دور الوساطة المالية الرسمية، انتقل مركز الثقل في تحديد سعر الصرف إلى السوق الموازية، التي أصبحت الساحة الفعلية لتشكّل السعر.

داخل هذه السوق، لا يُشتق السعر من قرار رسمي، بل من تفاعل لحظي بين العرض والطلب، مدفوعًا بتدفقات التحويلات الخارجية، وسلوك المضاربين، وتوقعات الفاعلين الاقتصاديين. ولم يعد السعر رقمًا تُعلنه جهة رسمية، بل نتيجة ديناميكية تتغير باستمرار وفقًا لموازين السوق غير الرسمية.

ولعل أبسط تجليات هذا الواقع يظهر في التباين اليومي بين أسعار الصرافين داخل المدينة نفسها، حيث لا يعكس السعر مستوى توازن مستقر، بل شبكة من التسعيرات المتحركة التي تتغير خلال ساعات، تبعًا لتدفقات النقد وتوقعات السوق، وليس تبعًا لأي إعلان رسمي.

يمثل هذا التحول انتقالًا جوهريًا في وظيفة النظام النقدي، يمكن توصيفه بـ:
انتقال وظيفة “اكتشاف السعر” من المؤسسات الرسمية إلى السوق غير المنظمة.

ففي حين كانت الدولة، عبر البنك المركزي، تضطلع تاريخيًا بدور مرجعي في تحديد أو توجيه السعر، أصبحت اليوم في موقع المتلقي، حيث يتشكل السعر أولًا داخل السوق، ثم تُحاول السياسة النقدية التكيف معه لاحقًا.

تكمن خطورة هذا النمط في أن السعر لم يعد يُدار، بل يُكتشف داخل شبكة غير رسمية سريعة التكيف، قادرة على استباق القرارات الرسمية وإعادة تشكيلها، ما يعني أن مركز الفعل الاقتصادي قد انتقل فعليًا من المؤسسات إلى السوق.

وبذلك، لم تعد السياسة النقدية أداة لتوجيه السوق، بل أصبحت في كثير من الأحيان استجابة متأخرة لتحركاته.


ثالثًا: حدود الضبط الإداري في اقتصاد مفتوح جزئيًا

في سياقات عدم الاستقرار، تميل السياسات النقدية إلى استخدام أدوات إدارية لضبط السوق، مثل تنظيم الطلب على العملات الأجنبية أو تقييد قنوات الوصول إليها. غير أن فعالية هذه الأدوات تعتمد على قدرة الدولة على احتواء السوق داخل إطارها الرسمي.

في حالة عدن، لا يتحقق هذا الشرط، إذ يعمل جزء كبير من النشاط الاقتصادي خارج القنوات الرسمية، ما يعني أن أي قيود تُفرض داخل النظام الرسمي لا تؤدي إلى تقليص الطلب، بل إلى إعادة توجيهه نحو مسارات بديلة.

بعبارة أخرى، تحاول الدولة تنظيم جزء من السوق، بينما يقع الجزء الأكثر ديناميكية وتأثيرًا خارج نطاقها، وهو ما يفرّغ أي تدخل إداري من محتواه.

ولا يقتصر انتقال النشاط إلى السوق الموازية على الرغبة في تجاوز القيود، بل يعكس أيضًا بارتفاع تكلفة الامتثال داخل القنوات الرسمية، سواء من حيث الزمن، أو التعقيد الإجرائي، أو عدم اليقين المرتبط بالحصول على العملة الأجنبية.

في هذا السياق، يصبح الخروج عن النظام الرسمي خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا، وليس مجرد سلوك مضاربي، حيث تفوق كلفة الالتزام بالقنوات الرسمية العائد المتوقع منها.

وبذلك، لا يُلغى الطلب على العملات الأجنبية، بل يُعاد توزيعه خارج الرقابة، ما يحوّل الضبط الإداري من أداة للسيطرة إلى عامل دفع نحو السوق الموازية بدل احتوائها.


رابعًا: التوقعات والمضاربة كقوة دافعة للسوق

في غياب مرجعية نقدية مستقرة، تلعب التوقعات دورًا محوريًا في تحديد سلوك السوق؛ إذ لا يعتمد الفاعلون الاقتصاديون على البيانات الرسمية بقدر اعتمادهم على تقديراتهم الذاتية لمسار العملة، في بيئة تتسم بارتفاع عدم اليقين وضجيج الإشارات المتضاربة.

في هذا السياق، تتحول التوقعات إلى متغير اقتصادي فاعل بذاته، حيث لا تقتصر على تفسير سلوك السوق، بل تسهم في تشكيله فعليًا على مستوى التدفقات والطلب. فالتوقعات السلبية بشأن سعر الصرف تدفع إلى تسريع الطلب الاستباقي على العملات الأجنبية، وتغذي سلوك المضاربة، وتخلق موجات سعرية ذاتية التعزيز، حيث يتحول الخوف من تدهور العملة إلى المحرك الأساسي الذي يسرّع هذا التدهور فعليًا.

ويتسق هذا النمط مع أدبيات الاقتصاد النقدي التي تبرز دور التوقعات التكيفية والعقلانية في توجيه الفاعلين؛ حيث لا تنتظر الأسواق تحقق الصدمات بل تتفاعل مع احتمالاتها، ما يجعل السعر يتحرك استباقيًا بدل أن يكون استجابة لاحقة. وهو ما يفسر أيضًا ظاهرة “الجمود السعري نحو الأعلى” (Upward Price Rigidity)، حيث ترفض الأسواق خفض أسعار السلع حتى عند التحسن المؤقت في سعر الصرف، تحسبًا لصدمات مستقبلية متوقعة.

في هذا الإطار، لا تُضعف التوقعات فاعلية السياسة النقدية فحسب، بل تعيد تعريف حدود تأثيرها؛ إذ لم يعد البنك المركزي يواجه سوقًا يستجيب للقرارات، بل سوقًا يتحرك وفق ديناميكيات داخلية تتجاوز—بل وتستبق—الإشارات الرسمية.

تؤدي ظاهرة الدولرة الجزئية إلى تآكل تدريجي في البنية الوظيفية للعملة المحلية؛ حيث لم تعد تؤدي دورها بكفاءة كمخزن للقيمة، أو كوحدة حساب مستقرة، بل تحولت إلى “وسيط اضطراري” للتبادل فقط.


خامسًا: الدولرة الجزئية وإضعاف وظيفة العملة

غير أن الدولرة في سياق عدن لا يمكن اختزالها في سلوك مالي احترازي، بل يمكن توصيفها بـ”الدولرة الدفاعية”، التي تعكس استجابة عقلانية لفقدان الثقة في الريال كأداة للتحوط. وبذلك، يتراجع الطلب على العملة الوطنية نتيجة تفضيل منهجي لبدائل أكثر استقرارًا، ما يمثل مؤشرًا على تآكل البعد السيادي للعملة؛ حيث تفقد الدولة قدرتها على فرض عملتها كمرجعية وحيدة للتبادل والتسعير.

في هذا الإطار، يواجه البنك المركزي اقتصادًا بدأ يعيد تعريف حدوده التشغيلية خارج نطاق العملة الوطنية، ما يُحيّد فاعلية أدواته ويضعف قدرته على التأثير في المتغيرات النقدية الأساسية.


سادسًا: التضخم كنتيجة لانفصال السياسة عن السوق

في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ينعكس تدهور سعر الصرف (EX) مباشرة على مستويات الأسعار، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم (INF). غير أن هذا التضخم في حالة عدن لا يرتبط بزيادة الطلب المحلي بقدر ما يعكس اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.

فمع ضعف الإنتاج المحلي واعتماد السوق على الواردات، ينتقل أثر تراجع العملة إلى الأسعار عبر قناة الاستيراد، حيث يؤدي ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة تكلفة السلع الأساسية، ما يولّد نمطًا من التضخم المستورد المرتبط بصدمات العرض الخارجية.

ويمكن تبسيط هذه العلاقة ضمن المسار التالي:
EX ↑ → تكلفة الاستيراد ↑ → INF ↑

غير أن هذا المسار لا يعمل في فراغ، بل يتغذى على اختلالات مالية موازية، حيث يسهم العجز في المالية العامة، واعتماد الإنفاق على موارد غير مستقرة أو ذات طابع تضخمي، في زيادة الكتلة النقدية (MS) دون غطاء إنتاجي حقيقي، ما يضاعف من الضغوط التضخمية ويُسرّع انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار.

كما يؤدي تعدد أسعار الصرف، وغياب مرجعية تسعير مستقرة، وانتشار المضاربة، إلى ضعف كفاءة قناة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار، بحيث لا تنعكس التغيرات في سعر الصرف بشكل متناظر على الأسعار، بل تميل إلى الارتفاع السريع مقابل ضعف استجابة الأسعار للانخفاض.

في هذا السياق، لا يصبح التضخم مجرد نتيجة لتغيرات نقدية، بل تعبيرًا عن انفصال متزايد بين السياسة النقدية وبنية السوق، حيث تفقد الأدوات الرسمية قدرتها على احتواء الضغوط السعرية، ويتحول الاستقرار السعري إلى متغير خارج نطاق السيطرة المؤسسية.


خاتمة: نحو استعادة “القنوات” المفقودة

لا تعكس أزمة سعر الصرف في عدن مجرد اختلالات في العرض والطلب، بل تعبر عن انهيار “القنوات المؤسسية” الناظمة للسوق. فمع تفكك الوساطة المصرفية، وهيمنة الشبكات الموازية، وتغلغل الدولرة الدفاعية، فقدت السياسة النقدية قدرتها على النفاذ، وأصبح السعر يُكتشف ويتشكل كليًا خارج الإطار الرسمي.

ويرتبط هذا العجز البنيوي باختلال أعمق في المالية العامة؛ حيث يُدار الإنفاق العام دون قاعدة إيرادية مستقرة، ما يضع الكتلة النقدية (MS) تحت ضغط مستمر، ويُفرغ أي محاولة لتحقيق الاستقرار النقدي من فعاليتها.

بناءً على ذلك، لا يمكن استعادة التوازن عبر أدوات نقدية معزولة أو إجراءات إدارية قسرية، بل من خلال إعادة ضبط العلاقة بين المالية العامة والنظام النقدي، وتقليص الاعتماد على التمويل التضخمي، وإعادة بناء الثقة المؤسسية مع القطاع المصرفي.

فالمعضلة الجوهرية في عدن ليست في غياب المؤسسات الرسمية، بل في أن السوق لم يعد يعترف بها كمرجعية للعمل.

31-3-2026

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية