من بين أقدم الثمار وأكثرها انتشاراً وشعبية، يقف التفاح كرفيق دائم على موائدنا. لكن هل تساءلت يوماً كيف شقّت هذه الفاكهة طريقها عبر القارات لتصل إليك؟ لأعوام طويلة، ظلّت قصة التفاح غامضة، لكن الأبحاث الجينية الحديثة كشفت لنا عن دور محوري لنوعين من التفاح البري: "مالوس سيفيرسي" من آسيا الوسطى، و"مالوس سيلفستريس" من أوروبا، في تشكيل التفاح الذي نعرفه اليوم. ففي جبال تيان شان الشاهقة بآسيا الوسطى، تنمو غابات التفاح البري "مالوس سيفيرسي"، الذي سُمي تيمناً بعالم النبات الألماني يوهان أوغست كارل سيفرس، الذي وصف هذه الغابات في القرن الثامن عشر. تؤكد الدكتورة جولنارا سيتبييفا، وهي عالمة أحياء، أن الدراسات العلمية، ومنها تحليل أكثر من 10 آلاف صنف مختلف من التفاح المزروع، أثبتت أن 46% منها تحمل بصمات جينية من تفاح "سيفيرسي"، مما يؤكد أنه السلف الرئيسي للتفاح الحديث. انتشرت بذور هذا التفاح البري في البداية بفعل الطيور والحيوانات عبر سفوح جبال تيان شان، ثم حملها البشر لاحقاً على طول طريق الحرير، ناشرةً نكهتها الفريدة عبر العالم. اليوم، يُحتفى بازدهار تفاح "سيفيرسي" في كازاخستان كواحد من أروع المشاهد الطبيعية، حيث تُقارن أزهاره بجمال أزهار الساكورا اليابانية الشهيرة. كل ربيع، تشهد منطقة جيتي سو مهرجاناً يحتفي بهذا الموسم، مع نصب مخيمات تقليدية وعروض للحرف الوطنية وورش عمل، بالإضافة إلى الألعاب الرياضية التقليدية. مدينة ألماظي الكازاخستانية تحمل اسم التفاح في طياتها؛ فكلمة "ألما" تعني التفاح بلغة الكازاخ. لا يقتصر حضور التفاح على الاسم، بل هو رمز لروح المدينة التي تقع عند سفوح الجبال حيث تنمو أشجار التفاح البري منذ قرون. تتجلى أشكال التفاح وزخارفه في التصميم العمراني، والمنحوتات، والجداريات، والمساحات العامة، لتذكر دائماً بهذا الإرث العريق. ومن بين الأصناف الشهيرة التي تطورت عبر الانتقاء، يبرز صنف "أبورت" المعروف بثمره الكبير ورائحته العطرية المميزة. يقول إيفان سيرغييف، الذي يزرع "أبورت" منذ ما يقرب من 20 عاماً: "رائحة تفاح أبورت تشبه العطور الفرنسية، كما أن جلده رقيق جداً، لذا نقطف المحصول بأكمله يدوياً". يوضح أن أشجار تفاح "سيفيرسي" البرية يمكن أن تعيش من 250 إلى 300 عام، بينما تعيش أشجار "أبورت" حوالي 40 إلى 70 عاماً. أصبحت البساتين اليوم وجهات سياحية، حيث يمكن للزوار في موسم الحصاد التجول بين الأشجار وقطف التفاح بأنفسهم. كما تستضيف ألماظي مهرجان "ألما فيست" السنوي، وهو احتفال كبير بالحصاد يجمع المزارعين لعرض منتجاتهم المتنوعة من التفاح، سواء كان طازجاً، أو مجففاً، أو مربى، وغير ذلك. وقد شهد المهرجان هذا العام عرض أكثر من 200 طن من التفاح. |