في قلب جزر سيكلاديز اليونانية الخلابة، تكشف جزيرة سيريفوس عن ماضٍ غني تحت ترابها، حيث انطلقت مبادرة "التاريخ الحي لمناجم سيريفوس" لتوثيق إرثها الصناعي العميق. لم تكن سيريفوس مجرد وجهة سياحية ساحرة، بل كانت مركزاً تعدينياً هاماً منذ العصور القديمة، تتناثر في أرجائها آثار السكك الحديدية المصدئة، والآلات القديمة، وفوهات المناجم التي تحكي قصص عقود من العمل الشاق. بدأت عمليات استخراج خام الحديد بشكل منهجي في أواخر القرن التاسع عشر، لتصل الإنتاجية السنوية إلى 200 ألف طن، جاعلةً من التعدين شريان حياة للكثيرين، ليس فقط لسكان الجزيرة، بل وللعمال الذين وفدوا من أنحاء اليونان. لكن مع إغلاق المناجم في عام 1963، اضطر الكثيرون إلى الهجرة وتغيير مهنهم، تاركين وراءهم مواقع مهجورة، لكن قصصهم ظلت محفورة في ذاكرة الجزيرة. استجابةً لهذا الإرث، أطلقت جمعية "أصدقاء سيريفوس"، بدعم من مبادرة "الهوية السيكلادية" التابعة لمتحف الفن السيكلادي، مشروعاً طموحاً لجمع مقابلات مع السكان المحليين، وتوثيق المواد المتعلقة بتاريخ المناجم، ليثمر عن ألبوم مطبوع ورقمي غني. يضم الأرشيف الرقمي أكثر من 250 صورة فوتوغرافية، ووثائق نادرة، وقصاصات صحفية، بالإضافة إلى 10 شهادات حية من عمال المناجم وأحفادهم، تحكي بأصواتهم تجاربهم وذكرياتهم قبل أن تتلاشى مع مرور الزمن. ولجعل هذا التاريخ في متناول الجميع، تم تركيب لوحات إرشادية في مواقع المناجم تحمل رموز QR، تتيح للزوار قراءة مقابلات العمال فوراً وهم في قلب الحدث. لم تكن قصة المناجم مجرد سرد لتاريخ صناعي، بل هي قصة كفاح وصراع. فقد شهدت مناجم "ميغا ليفادي" إضراباً دموياً في عام 1916، حيث طالب العمال بيوم عمل من ثماني ساعات وظروف عمل أفضل، لكن الإضراب انتهى بسقوط ضحايا من الطرفين. يطمح المسؤولون المحليون اليوم إلى تحويل موقع "ميغا ليفادي" إلى متحف مفتوح للتعدين، ليروي قصة الجزيرة الفريدة ويقدم نموذجاً جديداً للتنمية المستدامة لهذه المنطقة. ترى كاترينا باباثوما، نائبة رئيس جمعية "أصدقاء سيريفوس"، أن الهدف من المشروع مزدوج: "إنقاذ وحفظ هذا التاريخ الحي، ومشاركته مع الجميع، حتى مع سكان سيريفوس أنفسهم الذين قد لا يعرفون عمق هذا الإرث". وتضيف: "نريد أن يتعرف الشباب على هذه الأماكن ليتعلقوا بها وربما يحمونها مستقبلاً". تتجسد روح المشروع في شهادات عمال المناجم السابقين وأحفادهم، مثل أندرياس ليفانيوس، الذي يصف رحلة العمل الشاقة منذ الصغر: "كان علينا أن نستيقظ في الثانية صباحاً لقطع مسافة ثلاث ساعات سيراً على الأقدام للوصول إلى مكان العمل قبل السادسة صباحاً، وإلا خسرنا أجر اليوم". أما ألكسندروس ليفانيوس، فيكشف عن الوجه الآخر للمناجم: "لا توجد عائلة في سيريفوس ليس لديها شخص مصاب أو متوفى بسبب المناجم. كانت نعمة ونقمة في آن واحد، أبقت الناس هنا لكنها استنزفتهم". تؤكد ثيانو أغالوغلو، مديرة مبادرة "الهوية السيكلادية"، على أهمية توثيق هذا الإرث الشفهي: "نحن ندعم المنظمات النشطة في جزر سيكلاديز لحماية التراث الثقافي غير الملموس. إن توثيق شهادات عمال المناجم، أو 'الميتاليوطي' كما كانوا يُعرفون، هو إرث ثمين للأجيال الجديدة". |