في قلب المشهد الأدبي الفرنسي، تبرز رواية "كان هذا أو الموت" (C'était ça ou mourir) للكاتب ثيليسون أوريليان، والتي لاقت استحسانًا كبيرًا ووُصفت بأنها أحد اكتشافات موسم الخريف، مبيعاتها تتجاوز 35 ألف نسخة، وتتنافس على جوائز أدبية مرموقة. إلا أن الرواية تواجه الآن اتهامًا خطيرًا بإعادة كتابتها بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما أثار عاصفة من الجدل. بدأت الشرارة الأولى لهذا الجدل بمنشور على منصة "إكس" (X) من حساب مجهول يُدعى "Balance ton Claude"، زعم فيه أن أداة أمريكية للكشف عن الذكاء الاصطناعي تُدعى "بانجرام" (Pangram) قد اختبرت أجزاء من الرواية وخلصت إلى أنها مكتوبة بنسبة 100% بالذكاء الاصطناعي. ويُشار إلى أن هذه الأداة تتمتع بنسبة خطأ ضئيلة جدًا، مما يضفي مصداقية على الادعاءات. هذا الاتهام يمسّ الكاتب أوريليان، البالغ من العمر 38 عامًا، والذي تعود أصوله إلى هايتي، إذ تُترجم روايته إلى أكثر من 20 لغة، وقد وصلت إلى القوائم الأولية لجوائز أدبية كبرى مثل "جونكور" و"جونكور دي ليسيه" و"فيمنيا" و"ميديسيس" و"رينودو". تروي الرواية قصة جوناس، مدرس التاريخ والجغرافيا الهايتي الشاب الذي يضطر للفرار من بلاده بسبب العنف وانعدام الأمن، في رحلة عبر الأمريكتين. دار النشر "غراسه" (Grasset) سارعت إلى نفي هذه الاتهامات، واصفة إياها بـ"الأخبار الكاذبة" وأن أدوات الكشف عن الذكاء الاصطناعي "تتخيل أن الإنجيل كُتب بشكل مصطنع". وأضافت الدار أن الرواية تتميز بأسلوب فريد، على عكس الروايات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي التي تفتقر إلى التميز. لكن مع تصاعد الضجة، أصدرت "غراسه" بيانًا منح فيه الكاتب أوريليان فرصة للرد. في رده، أوضح أوريليان أن ما يُعتبر "تكرارًا" في أسلوبه هو في الواقع جزء من "التقاليد الأدبية الهايتية والكاريبية" ذات الخصوصية الشعرية. وأكد أن مناقشة أسلوبه أمر مقبول، لكن تحويل سمات أسلوبه إلى دليل على استخدامه للذكاء الاصطناعي "لا علاقة له بالنقد الأدبي". كما أعرب عن امتنانه العميق للقراء الذين احتفوا بكتابه، مشيرًا إلى أن هذا الترحيب يلامس قلبه في عالم يسعى البعض فيه للتدقيق في أصول الكاتب قبل الاستماع إلى ما يقول. من جانبها، جددت "غراسه" "ثقتها المطلقة" في الكاتب، مؤكدة وقوفها معه "ضد أي آلة أو محاولة لقياس أو توحيد أو إسكات الكتابة الحرة". في المقابل، رفض أوريليان التعليق لوسائل إعلام معينة، لكنه صرح لصحيفة "ليبراسيون" بأنه تعرض لـ"هجمات عنصرية عديدة" منذ وصوله إلى فرنسا. تفاعل النقاد والجمهور مع القضية بشكل متباين. فبينما سارع البعض إلى اعتبار الاتهامات حقيقة مسلمًا بها وسخر من الوسط الأدبي الذي "انخدع" بأسلوب "متوسط ومكرر"، أعرب آخرون عن شكوكهم. تساءل صحفيون عن إشكالية استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، مشيرين إلى وجود الكتّاب الأشباح تاريخيًا، وأن المهم هو مسؤولية المؤلف. بينما رأى آخرون أن أسلوب أوريليان "المُعَرب" (creolised) الذي يمزج بين الفرنسية ولغات أخرى، قد يكون سببًا في خداع أدوات الكشف عن الذكاء الاصطناعي. في خضم هذا الجدل، دعا حساب "Balance ton Claude" إلى التهدئة، معترفًا بوجود احتمال أن يكون الكاتب حسن النية. وأوضح الحساب أن الهدف من تسليط الضوء على الرواية كان بسبب نجاحها، وأن النخبة الأدبية ربما تقلل من قدرات الذكاء الاصطناعي. يبقى السؤال مطروحًا: هل ستؤثر هذه القضية على فرص "كان هذا أو الموت" في الفوز بالجوائز الأدبية، أم ستدفع القراء إلى اكتشافها بأنفسهم؟ النتائج ستتضح قريبًا مع إعلان أسماء الفائزين بالجوائز المرموقة. |