من تمويل الاحتياجات العسكرية إلى السيطرة على مسارات الإنفاق
|
منذ 16 ساعة
A-
A+
A+
A-
بدأت أزمة التمويل داخل مؤسسات الشرعية نتيجة الحرب وتراجع الموارد واضطراب التدفقات المالية، ومع اتساع الاعتماد على التمويل الخاص، تحولت الحاجة إلى السيولة من مشكلة إدارية إلى مدخل للعقود والموارد العامة. لم يعد التاجر ممولًا أو موردًا فقط، فالقدرة على تغطية الاحتياجات العسكرية قبل وصول الموارد منحته موقعًا داخل قنوات الإنفاق، وأتاحت له تحويل العقود إلى أرباح وسيولة وعلاقات، ومع تداخل رأس المال التجاري بالنفوذ السياسي والعسكري، توسعت المصالح من تمويل الاحتياجات إلى التأثير في المدفوعات والصرف. تكمن المشكلة في تحول العجز إلى مصدر للامتياز، وتحول التمويل إلى وسيلة للوصول إلى العقود والسيولة وتوسيع النفوذ الاقتصادي. أولًا: العجز المالي وإعادة ترتيب فرص الوصول في بيئة مضطربة التمويل، تصبح السيولة الخاصة أداة للوصول إلى المؤسسة، فالمتعهد القادر على توفير الغذاء والوقود والخدمات قبل وصول الموارد يكتسب موقعًا يوسع قدرته على الوصول إلى العقود ومسارات الإنفاق. وتنشأ أفضلية متراكمة فالعقد يفتح الوصول إلى المعلومات ودوائر التنفيذ، ويزيد فرص الحصول على عقود لاحقة، ثم تولد العقود سيولة تعزز القدرة على التمويل. وبمرور الوقت تصبح القدرة على تحمل تأخر السداد والقرب من مراكز القرار جزءًا من شروط الدخول إلى السوق، إلى جانب السعر والجودة. ويواجه التجار الجدد كلفة أعلى بسبب افتقارهم إلى السيولة والعلاقات، فتتركز العقود لدى الجهات القادرة على الجمع بين التمويل والوصول، وهنا يعاد تشكيل السوق حول النفوذ والقدرة على تحمل المخاطر، وتتراجع أهمية المنافسة المتكافئة. ثانيًا: التحالف السياسي والعسكري والتجاري تعمل العلاقة بين السياسي والعسكري والتاجر كتقسيم وظيفي للنفوذ، يفتح السياسي مسار الوصول ويوفر الغطاء، ويؤثر العسكري في تحديد الاحتياجات والتنفيذ، بينما يقدم التاجر التمويل والتوريد والسيولة، وتتوزع المنافع والأعباء بين هذه المواقع بما يدعم استمرار العلاقة. يتحول النفوذ العام إلى أداة لتسهيل الوصول إلى العقود، بينما تُعاد توظيف الأرباح في تقوية العلاقات التي وفرت هذا الوصول. وبهذا يأخذ الفساد طابعًا شبكيًا يتجاوز التجاوز المرتبط بعقد محدد، إذ يعيد ترتيب فرص الدخول إلى السوق، ويمنح الجهات القريبة من مراكز القرار قدرة أكبر على الوصول إلى المعلومات والعقود وتوسيع النشاط. ثالثًا: التغذية العسكرية وتحويل الاحتياج إلى سوق امتياز تمثل التغذية العسكرية نقطة مركزية، لأن الطلب عليها مستمر، والإنفاق المرتبط بها متكرر، والحاجة إليها لا تحتمل التأجيل، وتمنح هذه الخصائص المتعهد القادر على التمويل موقعًا يتجاوز حدود التوريد. عندما تصبح القدرة على التمويل والعلاقة بالمؤسسة عاملين حاسمين في الحصول على العقود، تنتقل المنافسة من الكفاءة التجارية إلى القرب من مراكز القرار والقدرة على تحمل تأخر المستحقات. ويواجه التاجر الذي يقدم سعرًا أقل صعوبة في المنافسة إذا افتقر إلى السيولة أو العلاقات اللازمة، فتتركز العقود لدى عدد محدود من المتعهدين. وتدخل كلفة التمويل وتأخر السداد وعلاوة المخاطر في قيمة العقود. ومع ضعف المنافسة، قد ترتفع الفاتورة المالية من دون تحسن مماثل في جودة الغذاء أو انتظام الإمداد، فتتراجع القيمة المتحققة من الإنفاق العام. رابعًا: من العقود إلى الرواتب والسيولة يمثل الدخول إلى صرف الرواتب انتقالًا من الربح عبر العقد إلى النفوذ عبر التدفق النقدي، فالجهة التي تمر عبرها الرواتب تقترب من توقيت السيولة وحجم الطلب ومسارات انتقال النقد، وهي عناصر تمنحها ميزة في إدارة الأموال وإعادة توظيفها في التحويل والتجارة والأنشطة المالية. وتزداد أهمية هذا الموقع عندما تتداخل عمليات الصرف مع شبكات التحويل أو النشاط في سوق العملة. ففي بيئة تتأخر فيها الرواتب وتتكرر فجوات السيولة، تتحول معرفة توقيت الصرف وحجم المدفوعات إلى ميزة اقتصادية، بينما يتحمل العسكري أو الموظف آثار التأخر وتراجع القوة الشرائية.
أنتج الانقسام النقدي بين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق الشرعية بيئة مالية متعددة المسارات، اختلفت فيها قابلية تداول الطبعات النقدية وتكلفة تحويلها وأسعار الصرف المرتبطة بها. وامتدت آثار ذلك إلى التحويلات والتسويات المالية المرتبطة بمناطق الشرعية، مع اختلاف تكلفة انتقال الأموال بين مناطق الطرفين، إلى جانب التعاملات بالدولار. أصبحت السيولة أصلًا اقتصاديًا تتحدد قيمته بتوقيت الحصول عليها ونوعها ومكان استخدامها والقدرة على تحويلها. وامتلكت الشبكات التي تجمع بين التوريد والتجارة والصرافة قدرة أكبر على الاستفادة من فروق التحويل وتوقيت انتقال الأموال، خصوصًا عندما ترتبط بحركة الرواتب والمدفوعات الحكومية. وتتجاوز قيمة السيولة فرق سعر الصرف؛ فحيازتها تمنح القدرة على شراء السلع أو العملة قبل تغير الأسعار وتمويل أنشطة أخرى. وفي المقابل، يتحمل أصحاب الرواتب الثابتة آثار التأخر وتقلب الأسعار، بينما تحول شبكات الصرف والتحويل هذه الاختلالات إلى فرص للربح. سادسًا: مقاومة الإصلاح وإعادة إنتاج النفوذ عندما تصبح فجوات التمويل وتأخر المدفوعات مصادر للعوائد، يتحول إصلاحها إلى تهديد اقتصادي. فالأتمتة والشفافية والمنافسة تقلص قدرة شبكات المصالح على التحكم في العقود والسيولة والمدفوعات، ولذلك قد تواجه إصلاحات التعاقد والصرف مقاومة تتجاوز الخلاف الإداري. أنتجت الحرب وتراجع الإيرادات واضطراب التحويلات اختلالات حقيقية في المالية العامة لمؤسسات الشرعية. ومع استمرار الاستفادة منها، تشكلت مصالح تتضرر من إصلاح القنوات التي تحول الاختلال إلى عوائد ونفوذ. وتصبح معالجة الأزمة صراعًا حول قواعد الوصول إلى الموارد؛ فالعوائد تعزز النفوذ، والنفوذ يحافظ على قنوات الوصول، واستمرار هذه القنوات يتيح توليد عوائد جديدة وإعادة إنتاج المواقع القائمة. الخاتمة تجاوزت المشكلة داخل مؤسسات الشرعية حدود الفساد الفردي أو المحاباة في بعض العقود. فقد تحولت فجوات التمويل، في بعض المسارات، إلى قاعدة لمصالح تجمع السياسي والعسكري والتاجر، وتستخدم العقود والسيولة والمدفوعات في توسيع الثروة والنفوذ. ولا يكفي توفير موارد جديدة؛ فزيادة التمويل داخل القنوات نفسها قد توسع قدرة الشبكات القائمة على إعادة إنتاج نفوذها. ويتطلب الإصلاح فصل التوريد عن التمويل والصرف، وإخضاع العقود للمنافسة والإفصاح، وربط الرواتب والمشتريات بمنظومة دفع إلكترونية موحدة عبر البنك المركزي والبنوك الرسمية. تتحدد قيمة الموارد بطريقة توزيعها ومسارات مرورها والجهات القادرة على تحويلها إلى نفوذ. ومن دون تغيير هذه القواعد، قد يتحول كل مورد جديد إلى رأسمال إضافي لشبكات المصالح، بدل أن يصبح موردًا لاستعادة قدرة الدولة. |