Najib Mikati
بحث

منوعات

من الصلب إلى فن البوب: كيف صورت البشرية كسوف الشمس

وكالات

|
منذ 4 ساعات
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

مع اقتراب موعد الكسوف الشمسي الكلي الذي سيُرى في إسبانيا في 12 أغسطس، نستعرض كيف ألهمت هذه الظاهرة السماوية المذهلة الفنانين عبر العصور، محولين لحظات الخسوف القصيرة إلى أعمال فنية خالدة.

منذ فجر الحضارة، وعندما كانت الظواهر الطبيعية تبدو مرعبة وغير مفهومة، كان الكسوف يترك البشر في حالة من الرهبة والصمت. تعكس القطع الأثرية القديمة، مثل قرص سماء نيبر البرونزي، هوس الإنسان المبكر بتصوير ما يحدث في السماء. ولم تكن القصص التاريخية ببعيدة عن ذلك، فقد سجل هيرودوت كيف أوقف كسوف الشمس معركة بين الميديين والليديين، حيث فسرت كلتا الجبهتين الحدث كإشارة سماوية.

في العصور الوسطى، وجد الفنانون في الكسوف أداة سردية قوية، خاصة لتمثيل حدث جلل مثل موت المسيح. تصور فنانون مثل تاديو غادّي وفنان فالنسي مجهول في لوحاتهم القمر وهو يقترب من الشمس فوق الصليب، مما يضفي بعداً درامياً وروحانياً على المشهد. كما ظهر الكسوف في مخطوطات العصور الوسطى، مثل "كتاب معجزات أوغسبورغ"، مصحوباً بأحداث أخرى مثل وباء الجراد، مؤكداً على ارتباطه بالأحداث الكبرى والمصيرية.

في عصر الباروك، تعمقت التصويرات الفنية للكسوف، مزجت بين الطموح التقني والوزن الرمزي. رسامون مثل خوسيه دي ريبيرا وروبنز، وإن اختلفوا في دقة التصوير، سعوا لالتقاط جمالية الكسوف. لم تكن كل لوحات الكسوف في هذه الفترة ذات طابع ديني بحت، فقد اهتم فنانون مثل أنطوان كارون بالظاهرة الفلكية نفسها، كما يتضح من لوحاته التي تصور فلكيين يراقبون الكسوف. وبحلول القرن الثامن عشر، تحولت هذه الأعمال إلى أدوات علمية، حيث كُلفت سلسلة من اللوحات الزيتية لدوناتو كريتي لدعم بناء مرصد فلكي في بولونيا.

مع قدوم الرومانسية في القرن التاسع عشر، أصبحت مشاهد الكسوف أكثر إثارة وجمالاً. صور فنانون مثل إيبوليتو كافي وإيفان أيفازوفسكي الكسوف من زوايا مختلفة، محولين السماء المظلمة إلى لوحات طبيعية شبه ليلية. حتى أن الكسوف استُخدم في السخرية السياسية، كما في صورة لويس الرابع عشر، "ملك الشمس"، حيث تزامن الكسوف مع هزيمة عسكرية فرنسية.

في أواخر القرن التاسع عشر، وقبل تطور التصوير الفوتوغرافي، لجأ فنانون مثل إتيان ليوبولد تروفلوت إلى الرسم الدقيق كأداة علمية لتوثيق الكسوف، خاصة هالة الشمس. وبعده، طور هوارد راسل بتلر أسلوباً سريعاً للرسم خلال دقائق الكسوف القصيرة، مما سمح له بإنتاج أعمال فنية علمية دقيقة عُرضت في متاحف مرموقة. وفي القرن العشرين، استمر الكسوف في إلهام الفنانين، من بول كلي إلى روي ليختنشتاين، الذي ترجم سرعة الحدث إلى أسلوبه المميز في فن البوب.

اليوم، بينما يستعد الآلاف لالتقاط صور لهواتفهم، يظل الفرشاة واللوحة هي الوسيلة التي حفظت لنا جمال هذه الظاهرة السماوية عبر التاريخ، شاهداً على شغف الإنسان الدائم بمحاولة التقاط ما هو عابر وخالد في آن واحد.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية