|
A+
A-
في المجتمعات المستقرة لا يُقاس الذوق العام فقط بما يُقال بل بكيفية قوله وبالحدود الأخلاقية التي تضبطه ، أما في زمن الحرب فإن هذه الحدود تبدأ بالتآكل تدريجيًا ، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة والانفلات هو الصوت الأعلى _ هذا ما يحدث في اليمن حيث لم تقتصر آثار الحرب على البنية التحتية والاقتصاد فقط بل امتدت بعمق إلى بنية الإنسان نفسه إلى " سلوكه ، لغته ، ونظرته للآخر " الحرب لا تُنتج فقط الخراب المادي ، بل تُعيد تشكيل الوعي الجمعي حين يعيش الإنسان سنوات طويلة في بيئة يسودها الخوف ، الفقد ، وانعدام الأمان ، تتراجع الأولويات الأخلاقية أمام غريزة البقاء ويصبح الصبر أقل والانفعال أسرع ويُستبدل الحوار بالهجوم والاختلاف بالعداء هنا يبدأ الذوق العام في التراجع لا كخيار بل كنتيجة طبيعية لضغط نفسي واجتماعي مستمر . مع ظهور السوشال ميديا كمنصة للتعبير ، ظهرت هذه التحولات بوضوح صارخ لم تعد التعليقات مجرد آراء ، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات للتنمر ، القذف ، والسب والشتم ، كلمات جارحة تُقال بسهولة ، وأحكام قاسية تُطلق دون تفكير ، وكأن المسافة الرقمية ألغت الإحساس بالمسؤولية تجاه الإنسان الذي كان يراعي مشاعر الآخرين في الواقع ، وقد يتحول خلف الشاشة إلى نسخة أكثر قسوة وحدّة . هذا الانعكاس ليس عشوائيًا ، بل هو امتداد لحالة عامة من الاحتقان ، الحرب خلقت استقطابًا حادًا ، وانقسامات عميقة جعلت الناس ترى الآخر كخصم لا كشريك في الوطن وبذلك يصبح الهجوم مبررًا بل أحيانًا " واجبًا " في نظر البعض وهنا تتداخل السياسة مع الأخلاق ، فتُستخدم الكلمات كسلاح لا كوسيلة تواصل . كما أن تراجع التعليم ، وغياب القدوة وانشغال المجتمع بتأمين أساسيات الحياة كلها عوامل ساهمت في ضعف الرقابة الذاتية لم يعد هناك وقت أو طاقة لتربية الذوق أو تهذيبه ، بل أصبح الاهتمام منصبًا على النجاة فقط ، لذلك نشأت أجيال تتعامل مع الفضاء الرقمي دون وعي كاف بمسؤولية الكلمة وأثرها . رغم هذا المشهد القاتم ، لا يزال الأمل قائمًا ، فكما تتأثر الأخلاق بالظروف يمكن أيضًا إعادة بنائها يبدأ ذلك بالوعي " إدراك أن ما نكتبه ونقوله يعكس شخصياتنا " وأن السوشال ميديا ليست ساحة حرب بل مساحة يمكن أن تُستخدم للارتقاء لا للانحدار . إن استعادة الذوق العام ليست مهمة فرد واحد بل مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة تمر بالتعليم وتُعززها النماذج الإيجابية في الإعلام والمجتمع ، والأهم أن يدرك كل فرد أن الكلمة قد تُداوي وقد تجرح وأن الفرق بينهما هو " الذوق " الذي نختار أن نحافظ عليه حتى في أصعب الظروف . في النهاية الحرب قد تفرض واقعها لكنها لا يجب أن تُعيد تعريف إنسانيتنا فالمدن يمكن أن تُبنى من جديد ، لكن إعادة بناء الأخلاق تبدأ من داخل كل إنسان . |