ببالغ الحزن والأسى، ودعت الأوساط النسوية والاجتماعية أيقونة الثورة النسوية، الكاتبة والصحفية الرائدة غلوريا ستاينم، عن عمر يناهز 92 عاماً. رحلت ستاينم عن عالمنا يوم الأربعاء في منزلها بمدينة نيويورك، تاركةً وراءها إرثاً خالداً من النضال من أجل المساواة والتمكين. في بيان مؤثر نشر عبر صفحاتها ومنصتها، وصفت كلمات مؤثرة سنوات حياتها التي امتدت لما يقارب قرناً بأنها "سنوات عاشتها بحق، واستمرت في العمل من أجل المساواة حتى اللحظة الأخيرة". وأضاف البيان: "كانت أعظم هبة لغلوريا هي قدرتها على الاستماع للآخرين، جعلهم يشعرون بأنهم مرئيون ومسموعون. كلماتها وأفعالها ومثالها منح الناس الإذن ليكونوا على طبيعتهم الحقيقية. عاشت غلوريا بروحها المستقلة، دائماً بفضول وحس دعابة رائع". أمضت ستاينم سنواتها الأخيرة في ممارسة ما أحبته: التواجد في مجتمع مع الآخرين والكتابة. لطالما رحبت بمئات الضيوف في غرفة معيشتها لـ "دوائر الحديث"، تقليدٌ أصرت على استمراره حتى بعد رحيلها. وكما كتبت في كتابها المرتقب "حياة غير متوقعة": "لقد عشت الآن أكثر من خمسين عاماً في هذا المنزل، في غرف شهدت حيوات قبلي، وستعرف أخرى بعد رحيلي". هذا الكتاب، إلى جانب التزامها بأن يصبح منزلها مركزاً للحركات الاجتماعية، من بين الهدايا العديدة التي قدمتها ستاينم للعالم، على أمل أن يكون لها أثر يمتد لأجيال قادمة، مقتديةً بالمثل القائل: "رفرفة جناح فراشة يمكن أن تغير الطقس على بعد مئات الأميال". ولدت غلوريا ستاينم في 25 مارس 1934، لتصبح واحدة من أبرز وجوه "الموجة النسوية الثانية" ورائدة الحركة النسائية في الولايات المتحدة خلال الستينيات. بدأت مسيرتها كصحفية مستقلة، وحققت شهرة واسعة في عام 1963 عندما عملت متخفية كـ "بلاي بوي باني" لصالح مجلة "Show"، وكشفت حينها عن ظروف العمل القاسية التي واجهتها النساء في نوادي هيو هيفنر. في عام 1968، شاركت في تأسيس مجلة "نيويورك"، حيث عملت محررة وكاتبة سياسية. كما أسست مجلة "Ms." عام 1972، التي أصبحت منبراً أساسياً للحركة النسوية، مسلطة الضوء على قضايا مثل العنف الأسري والتحرش الجنسي والإجهاض. لم تكن ستاينم مجرد صحفية وكاتبة، بل كانت ناشطة لا تلين. أسست العديد من المنظمات الهامة مثل "مؤسسة Ms. للنساء" و"مركز المرأة الإعلامي". كما كانت مؤلفة غزيرة الإنتاج، صدر لها العديد من الكتب التي تركت بصمة عميقة، منها "أعمال شائنة وتمردات يومية" و"الثورة من الداخل: كتاب عن تقدير الذات" و"الحقيقة ستتحرر، لكنها ستغضبك أولاً!". وفي عام 1971، انضمت إلى ناشطات أخريات لتأسيس "المجلس الوطني للمرأة السياسية"، بهدف زيادة مشاركة المرأة في السياسة. كانت كلماتها في خطابها الشهير "خطاب إلى نساء أمريكا" بمثابة شرارة ثورية، حيث قالت: "هذا ليس مجرد إصلاح بسيط. إنها ثورة حقيقية. الجنس والعرق، لكونهما اختلافات سهلة ومرئية، كانا الوسيلتين الأساسيتين لتنظيم البشر إلى مجموعات متفوقة ودنيا، وإلى العمالة الرخيصة التي لا يزال هذا النظام يعتمد عليها. نحن نتحدث عن مجتمع لن تكون فيه أدوار سوى تلك التي يتم اختيارها أو اكتسابها. نحن نتحدث حقاً عن الإنسانية". في عام 2013، كرّمها الرئيس باراك أوباما بـ "وسام الحرية الرئاسي"، أرفع وسام مدني أمريكي. وظلت ستاينم حتى سنواتها الأخيرة صوتاً قوياً وداعماً للمساواة، مدافعاً عن حقوق المرأة، وحقوق مجتمع الميم، وحركة "Time's Up". وفي عام 2000، تزوجت من الناشط البيئي ديفيد بايل، مؤكدةً أن الزواج يمكن أن يكون شراكة متساوية، بعد أن كانت قد رأت فيه سابقاً ما قد يلغي استقلالية المرأة. في آخر تصريحاتها، عبرت عن أملها ألا تموت قائلة: "لكن! انتظر!". |