من رحم الحاجة إلى التغيير، ولدت "كيالا"، دار نشر برتغالية طموحة تتخذ من إبراز أصوات المؤلفين السود هدفاً لها. انطلقت "كيالا" رسمياً في مايو الماضي، وهي بصمة تابعة لدار النشر "فيرغولا د'إنترروغاساو"، وتلتزم بنشر أعمال المؤلفين السود حصراً، لكن مؤسستها، إلغا فونتيس، ترفض فكرة أنها تمثل فضاءً مغلقاً أو تصنيفاً أدبياً منفصلاً. اسم "كيالا" مستوحى من لغة الكيمبوندو الأنغولية، ويعني "الإضاءة" أو "إجلاء الظلام". هذه الكلمة تلخص رؤية فونتيس في بناء مساحة مشرقة للمؤلفين السود في السوق البرتغالي الذي يعاني من نقص حاد في تمثيلهم. بدأت الفكرة تتشكل قبل عامين، حين قدمت فونتيس المشروع لمديرة النشر، ديانا ألميدا، بعد أن لاحظت بنفسها، خلال دراستها للكتالوجات البرتغالية، أن نسبة الكتب الصادرة لمؤلفين غير بيض لا تتجاوز 10% في بعض الأحيان. لم يكن الأمر مقتصراً على دراسة واحدة، بل امتد ليشمل مجموعات نشر أخرى والمستجدات الأدبية، لتؤكد لها النتائج وجود "نقص مستمر في المساحة المخصصة لكتب المؤلفين السود". تؤمن فونتيس بأن المشكلة لا تكمن في جهة واحدة، بل هي نتاج منظومة متكاملة تشمل المحررين، الوكلاء الأدبيين، النقاد، وحتى القراء واهتماماتهم. فالسوق البرتغالي، على صغره وهشاشته، يميل إلى متابعة العناوين ذات الجاذبية التجارية، بينما تعزز وسائل التواصل الاجتماعي الكتب التي تحظى بالاهتمام المسبق. ومع ذلك، ترى فونتيس أن بعض القراء يترددون في استكشاف أعمال تتجاوز ما يعتبرونه "المألوف". لذا، فإن "كيالا" ليست نقداً، بل دعوة للتشجيع وفتح آفاق جديدة. أحد المبادئ الأساسية لـ "كيالا" هو كسر الصورة النمطية التي تحصر أدب المؤلفين السود في تجارب العرق والهوية فقط. ترى فونتيس أن الحديث عن "تجربة سوداء" موحدة هو تبسيط مخل، فالحياة متنوعة، حتى وإن تشاركت بعض التحديات كالعنصرية. كما تسعى "كيالا" إلى تفكيك الارتباط التلقائي بين المؤلفين السود وقصص الألم والمعاناة. "مع كيالا، أردنا أيضاً أن نزعزع فكرة أن الشخص الأسود يمكن أن يكتب فقط عن العنصرية والمعاناة"، موضحة أن أعمال الأشخاص السود غالباً ما تُنظر إليها كـ "استثناء" وليس كـ "عالمية". تتنوع اختيارات "كيالا" لتشمل مواضيع مختلفة، فليس الهدف حصر المؤلفين السود في قضايا العرق. أول إصداراتها كان كتاب "Feminismo na Periferia" للكاتبة الأمريكية ميكي كيندال، وهو كتاب غير روائي يتحدى مفاهيم النسوية الشاملة ويتناول موضوعات كالعرق، الطبقة، الفقر، والعنف. يليه في نوفمبر كتاب "The Death of Vivek Oji" للكاتبة النيجيرية أكواكي إيميزي، الذي يستكشف الهوية والاكتشاف والأسرة ضمن سياق المجتمع النيجيري. معيار الاختيار الرئيسي هو قدرة الكتاب على "إثارة نقاش مستمر في البرتغال"، وأن يكون الكتاب "ذا قيمة كبيرة، لا يتوقف عن قول ما لديه". تستخدم "كيالا" العرق كمعيار لمعالجة عدم المساواة، لكنها تؤكد أن هذا المعيار "أداتي" وليس حكماً بتصنيف أدبي منفصل. ترفض فونتيس فكرة أن "كيالا" قد تدفع المؤلفين السود إلى هامش السوق، بل تهدف إلى "إدخال أصوات المؤلفين السود حيث لا تكون حاضرة أو ممثلة بشكل كافٍ"، واصفة إياها بـ "إجراء تصحيحي" لسد فجوة حقيقية في السوق. تطمح "كيالا" لأن تصبح جزءاً من السوق التقليدي، وأن يصبح وجود مؤلفين سود من مختلف البلدان، بأنواع أدبية ووجهات نظر متنوعة، أمراً طبيعياً في المكتبات البرتغالية، لا استثنائياً. حتى الفريق العامل في "كيالا" يسعى لضم مهنيين سود، مع التأكيد على معايير الجودة العالية. لا تعد "كيالا" رائدة في هذا المجال، فهناك أمثلة عالمية مثل "New Beacon" في المملكة المتحدة، و"Malê" في البرازيل، و"Black Classic Press" و"Présence Africaine Editions" في الولايات المتحدة وفرنسا، التي سبقتها في دعم ونشر أعمال المؤلفين السود. تخطط "كيالا" للتوسع تدريجياً، مع التركيز على بناء كتالوج مميز يجمع بين الجودة التحريرية والاستدامة الاقتصادية، وإثبات أن النجاح ممكن بالرهان على المؤلفين السود. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الناشرين المستقلين، كالتوزيع وتكاليف الإنتاج وعادات القراءة، فإن الهدف الأسمى لفونتيس هو أن تصبح "كيالا" غير ضرورية يوماً ما، عندما يصبح تمثيل المؤلفين السود في السوق البرتغالي أمراً مسلماً به، وعندما تُقرأ أعمالهم ببساطة لما تقدمه من قيمة، بغض النظر عن هوية كاتبها. |