Najib Mikati
بحث

اراء

حين تتحدث الصور... ويصمت الجاحدون

أحمد سود أحمد هفج

|
منذ يوم
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

ليست كل الصور تُلتقط لتُحفظ في الأرشيف، فبعضها يُلتقط ليكون وثيقةً على عصرٍ كامل، وشاهداً على مرحلةٍ يصعب اختزالها في كلمات.
وهذه الصورة ليست مجرد تجميعٍ لمبانٍ وطرقٍ وموانئ ومنشآت ومدنٍ مضاءة، بل هي صفحاتٌ من ذاكرة وطن، وحكاية سنواتٍ كُتب فيها الكثير بالحجر والإسمنت، قبل أن تُكتب بالخلافات والرصاص.
حين يتأمل الإنسان هذه المشاهد، لا يرى مجرد عمرانٍ ارتفع، ولا طرقٍ امتدت، ولا موانئ استقبلت السفن، ولا جامعاتٍ فتحت أبوابها، ولا مستشفياتٍ شُيدت، بل يرى فكرة الدولة وهي تتحول إلى واقعٍ يلامسه المواطن في حياته اليومية.
الدولة ليست شعاراً يُرفع، ولا خطبةً تُلقى، ولا هتافاً في الساحات، وإنما مدرسةٌ تستقبل أبناءها، ومستشفى يعالج مرضاها، وطريقٌ يصل القرى بالمدن، وميناءٌ يستقبل التجارة، ومطارٌ يربط الوطن بالعالم، وكهرباء تنير البيوت، ومؤسساتٌ تعمل، وأمنٌ يجعل الإنسان ينام مطمئنًا.
إن الأوطان تُقاس بما تبنيه، لا بما تهدمه، وبما تضيفه إلى حياة الناس، لا بما تنتزعه منهم.
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين قراءاتهم للتجارب، لكن العمران يظل لغةً لا تعرف المبالغة، والإنجاز الملموس يبقى شاهداً لا يحتاج إلى مترجم.
فالمباني لا تجامل أحداً، والطرق لا تنطق إلا بحقيقة من أنشأها، والموانئ لا تكذب، والمدن المضيئة لا تُزوَّر.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الصور أنها لا تستعرض القصور الخاصة، ولا الثروات الشخصية، بل تعرض مؤسساتٍ عامة، وجامعات، وموانئ، ومنشآتٍ خدمية، وشوارع، وساحات، ومرافق بقيت ملكاً لكل اليمنيين، ينتفع بها الجميع دون تمييز.
ثم ينظر المرء إلى ما آلت إليه أحوال اليمن في سنوات الحرب والانقسام، فيدرك حجم الخسارة التي أصابت الإنسان قبل المكان.
مشاريع توقفت، ومؤسسات تعطلت، ومدن أنهكها الصراع، واقتصاد تراجع، وأحلام أجيال أصبحت مؤجلة.
وهنا لا يكون المقصود الوقوف عند الماضي بدافع الحنين وحده، بل استخلاص الدرس.
فالأمم التي لا تحفظ تجاربها، ولا تراجع أخطاءها، تبقى أسيرة تكرارها.
إن بناء الدولة يحتاج سنواتٍ طويلة من العمل، أما هدمها فلا يحتاج إلا إلى لحظاتٍ من الصراع والاندفاع وسوء التقدير.
ولهذا فإن المحافظة على المؤسسات، وصون المكتسبات، وتغليب المصلحة الوطنية، ليست مسؤولية حاكمٍ وحده، بل مسؤولية شعبٍ بأكمله.
ستظل الصور تتحدث عندما يصمت الجميع، وستظل الشواهد المادية حاضرةً في ذاكرة التاريخ، لأن الإنجاز الحقيقي لا يعيش في الخطب، بل يعيش في حياة الناس.
فالصور قد تصمت... لكن التاريخ لا يصمت.
والعمران قد يشيخ... لكنه لا يكذب.
أما الأوطان، فلا تحفظ أسماء من أكثروا الكلام، بقدر ما تحفظ أسماء من تركوا فيها أثراً باقياً للأجيال.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية