Najib Mikati
بحث

منوعات

أوروبا: نحو سردية مشتركة تتجاوز الذكريات المتباينة

وكالات

|
منذ أسبوعين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

لا تحتاج أوروبا إلى ذاكرة موحدة، بل إلى قصة مشتركة تبني هوية قوية من تنوعها الغني. إن جوهر التميز الأوروبي يكمن في قدرته على نسج مشروع سياسي مشترك من تاريخ مختلف، تاريخ يحمل في طياته لحظات مؤلمة ومتناقضة، بل ومتعارضة أحيانًا.

لطالما اعتقدنا أن الهوية الأوروبية تنمو فقط من خلال القواسم المشتركة. لكن الهويات السياسية لا تُبنى على التشابه فقط، بل تتشكل أيضًا من خلال القدرة على الاعتراف بما يقدمه الآخرون للمجمل. تمتلك أوروبا تاريخًا مشتركًا، لكنها لا تمتلك دائمًا نفس الذاكرة لهذا التاريخ. فما يعتبره البعض تحريرًا قد يكون بالنسبة لآخرين هزيمة، وما يراه البعض توسعًا قد يعني للآخرين خسارة، وما يشكل فخرًا وطنيًا للبعض قد يظل سؤالًا مزعجًا للبعض الآخر.

التحدي الأوروبي الحقيقي ليس في اختراع ذاكرة واحدة، بل في صياغة سردية مشتركة. هنا، يمكن للتجربة عبر الأطلسي أن تقدم مفتاحًا قيمًا. لطالما نُظر إلى البعد الأمريكي لإسبانيا والبرتغال وفرنسا وهولندا والمملكة المتحدة على أنه امتداد لقصصهم الوطنية. في الحالة الإسبانية، اتسمت هذه العلاقة بتوترات واضحة: فخر، شعور بالذنب، ذاكرة، نقد، انتماء، جراح، وفرص. غالبًا ما نُظر إلى إسبانيا على أنها أوروبا الجنوبية والمتوسطية والأطلسية والأمريكية في آن واحد؛ أوروبا أكثر من اللازم لأمريكا، وأمريكية أكثر من اللازم لفكرة ضيقة عن أوروبا. لكن ربما لا يكون هذا الانزعاج ضعفًا، بل قد يكون في الواقع ميزة.

إن البعد الأطلسي لإسبانيا ليس استثناءً لأوروبيتها، بل هو أحد أغلى مساهماتها في المشروع المشترك. من خلاله، لا تتذكر أوروبا جزءًا معقدًا من ماضيها فحسب، بل تكتسب أيضًا طريقة للتواصل مع العالم. والأمر نفسه ينطبق على التجارب الوطنية الأخرى عندما تتوقف عن اعتبارها سمات فردية وتبدأ في العمل كقدرات مشتركة. لقد بنت الاتحاد الأوروبي سوقًا مشتركة ومؤسسات مشتركة، وجزءًا من سياسة خارجية مشتركة. لكن ما زال لديه مهمة أكثر صعوبة: تحويل اختلافاتهم التاريخية إلى قواعد لغة مشتركة. يجب ألا تُقرأ صيغة "الوحدة في التنوع" كشعار لطيف، بل كمهمة سياسية: لا تمحو الاختلافات، بل تعلم كيف تحولها إلى قدرة مشتركة.

من هذا المنظور، يتغير السؤال. لم يعد الأمر يتعلق فقط بما تدين به أوروبا لتاريخها عبر الأطلسي، بل بما يمكن لهذا التاريخ أن يقدمه لأوروبا في القرن الحادي والعشرين. لا ينبغي للتاريخ الأوروبي أن يعمل فقط كمتحف للهويات الوطنية، بل كصندوق أدوات مشترك. يمكن لكل تجربة أطلسية، متوسطية، أوروبية مركزية، بلطيقية، أو بلقانية أن توسع المشروع الأوروبي عندما تتوقف عن اعتبارها تراثًا حصريًا لدولة واحدة وتبدأ في العمل كمورد للجميع. هذا التحول لا يحدث من تلقاء نفسه؛ إنه يتطلب قرارًا ثقافيًا وسياسيًا: التوقف عن التعامل مع التواريخ الوطنية كحجرات مغلقة والبدء في دمجها في السردية الأوروبية المشتركة.

في الحالة الأطلسية، يعني ذلك تحويل الذاكرة المعقدة إلى تعاون حقيقي: تعليم، تراث، جامعات، صناعات ثقافية، ودبلوماسية ثقافية، ومساحات للحوار مع أمريكا اللاتينية. هنا، لا تتذكر أوروبا بشكل أفضل فحسب، بل تتصرف بشكل أفضل أيضًا. السؤال إذن ليس ما إذا كانت أوروبا بأكملها تشترك في نفس التاريخ الأطلسي بدرجة متساوية. لا تفعل. السؤال هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحويل هذا التاريخ، الذي ولد في بعض دولها الأعضاء، إلى مورد للمشروع الأوروبي بأكمله. لا ينبغي قراءة الرابط الأطلسي على أنه حنين تاريخي أو إرث مزعج يتأمله القارة من الخارج. إنها إحدى الطرق التي يمكن لأوروبا من خلالها توسيع حوارها مع العالم.

في عالم مجزأ، حيث لم يعد التأثير يُقاس بالقوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل أيضًا بالثقة والشرعية والقدرة على التواصل، تتوقف الثقافة عن كونها مجرد زخرفة لتصبح بنية تحتية. لهذا السبب، لا ينبغي أن تشغل الأماكن الهامشية في المشروع الأوروبي، بل مكانًا استراتيجيًا: فهي تساعد على شرح أوروبا، وإبرازها، وجعلها معروفة داخل حدودها وخارجها. هذا يتطلب رؤية ناضجة. الاعتراف بالقيمة الاستراتيجية للرابط عبر الأطلسي لا يعني تبييض ظلاله أو تحويل الماضي إلى دعاية. على العكس من ذلك: فقط أوروبا القادرة على النظر إلى تاريخها في عينيها يمكنها استخدامه بصدق. لكن النظر إليه في عينيه لا يعني الوقوف ساكنين. لا يمكن أن تكون الذاكرة مجرد دين؛ بل يجب أن تصبح مسؤولية ومعرفة وتعاونًا. ربما يكمن هنا أحد مفاتيح مستقبل أوروبا: تعلم تحويل الإرث المعقد إلى أدوات مشتركة. الأمر لا يتعلق بمحو الجراح أو مطالبة الماضي بالتوقف عن كونه مزعجًا. يتعلق الأمر بمنع التاريخ من الوقوع في فخ بين طرفين عقيمين متساويين: الحنين والشعور بالذنب. بينهما توجد إمكانية ثالثة: البناء.

هذا المنطق يلامس، ولو بشكل غير مباشر، أحد أكبر النقاشات المعاصرة في أوروبا: التكامل. لسنوات، كانت أوروبا تتساءل عن كيفية دمج القادمين الجدد. لكن لا أحد يستطيع الاندماج في مشروع لا يعرف كيف يشرح نفسه. قبل أن نتساءل فقط عن كيفية دمج المجتمعات الجديدة، يجب على أوروبا أن تسأل نفسها ما هي السردية المشتركة التي تقدمها: ليست سردية مغلقة، أو حصرية، أو موحدة، بل سردية واضحة بما يكفي لفهمها وواسعة بما يكفي للعيش فيها. تحدي أوروبا ليس في الانكماش حتى تجد قاسمًا مشتركًا لا يكون فيه شيء مزعجًا، بل في الجرأة على العيش بمبدأ الضرب: هوية لا تذيب الاختلاف، بل تحوله إلى قوة. يجب أن يتوقف الأطلسي، والمتوسطي، والشرقي، والشمالي، والوسط عن كونهم هوامش خريطة، وأن يُعترف بهم كطاقات لحضارة سياسية واحدة. لأن أوروبا لن تصبح أقوى بإدارة نسخة مختزلة من نفسها، بل بتعلم النمو مع كل ما يشكلها. لن تكون أوروبا أكثر أوروبية عندما يتذكر الجميع نفس الشيء؛ بل ستكون أكثر أوروبية عندما تكون قادرة على تحويل كل ذكرى إلى وعد بالمستقبل.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية