Najib Mikati
بحث

محلي

كيف أرسى المؤتمر الشعبي العام التجربة الديمقراطية في اليمن بعد الوحدة؟

اليمن اليوم - خاص:

|
منذ ساعتين
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، دخل اليمن مرحلة سياسية مفصلية شكّلت تحولاً تاريخياً في بنية الدولة ونظام الحكم، تمثلت في الانتقال الواعي من أنظمة شمولية مغلقة إلى نظام يقوم على التعددية السياسية والديمقراطية، في سابقة غير معهودة على مستوى المنطقة. ولم يكن هذا التحول وليد ضغوط خارجية أو اضطرابات داخلية، بل جاء كخيار استراتيجي تبنّته القيادة السياسية آنذاك، إدراكاً منها لحتمية الانفتاح السياسي وبناء دولة حديثة تتسع للجميع.

قاد هذا التحول المؤتمر الشعبي العام بوصفه حزباً ذا طابع وطني جامع، وبرعاية مباشرة من مؤسسه وزعيمه ورئيس الجمهورية آنذاك علي عبدالله صالح، الذي يُسجَّل له تاريخياً أنه الزعيم العربي الوحيد تقريباً الذي أطلق التعددية السياسية من موقع السلطة، لا من موقع الإكراه. وقد وفّر هذا القرار مظلة سياسية وقانونية سمحت بانخراط واسع للمجتمع في الشأن العام.

في سنوات الوحدة الأولى، ازدهرت الحياة الحزبية بشكل غير مسبوق، وتشكلت عشرات الأحزاب التي عبّرت عن مختلف التيارات الفكرية والسياسية. وجاءت الانتخابات البرلمانية عام 1993 لتؤكد جدية المسار الديمقراطي، حيث عُدّت من أكثر الانتخابات نزاهة وتنافسية في محيط إقليمي كان لا يزال أسير الحزب الواحد والحكم المغلق. وبرغم التعقيدات التي أعقبت حرب صيف 1994، حافظ النظام السياسي – بقيادة المؤتمر الشعبي العام – على الإطار العام للتعددية، وجرى احتواء الأزمة ضمن الدولة، لا على حسابها.

وعلى الصعيد الديمقراطي، رسّخ اليمن مبدأ الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، حيث شهد عام 1999 أول انتخابات رئاسية مباشرة في تاريخ البلاد، ثم انتخابات 2006 التي مثّلت ذروة التنافس السياسي، وعبّرت عن حيوية المجتمع اليمني وتمسكه بالمسار السلمي للتغيير. كما كفل الدستور الحقوق السياسية للمرأة، في خطوة متقدمة قياساً بالواقع الاجتماعي، وأسهم ذلك في تعزيز مفهوم المواطنة المتساوية.

أما الصحافة، فقد عاشت في ظل دولة الوحدة عصرها الذهبي، حيث تحولت فعلياً إلى «سلطة رابعة» فاعلة. وأتاح قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1990 إنشاء صحف حزبية ومستقلة بسقوف نقدية عالية، جعلت اليمن في مقدمة الدول العربية من حيث حرية التعبير. ورغم ما شاب المراحل اللاحقة من تضييقات مرتبطة بتصاعد الاستقطاب السياسي، فإن الأساس القانوني والسياسي لتلك الحريات ظل قائماً كأحد منجزات مرحلة التعددية.

ومع تعقّد المشهد السياسي لاحقاً، برزت تحديات كبيرة، كان أبرزها أحداث 2011 وما تلاها من اختلالات، وصولاً إلى انقلاب 2014 والحرب التي دمّرت مؤسسات الدولة، وأطاحت بالعملية الديمقراطية، وأوقفت الانتخابات، وقيّدت الحريات، وحولت اليمن إلى واحدة من أخطر البيئات للعمل الصحفي.

خلاصة التجربة، أن الديمقراطية والتعددية في اليمن بعد 1990 لم تكن وهماً ولا منحة مؤقتة، بل مشروع دولة تبنّاه المؤتمر الشعبي العام وقاده الرئيس علي عبدالله صالح كخيار وطني استراتيجي. ورغم ما تعرّض له هذا المشروع من انتكاسات بفعل الصراعات والانقلابات، فإن إرث تلك المرحلة يظل المرجعية السياسية الأهم لأي تسوية مستقبلية، باعتباره النموذج الوحيد الذي حافظ على وحدة الدولة، وفتح المجال للمشاركة، ووضع اليمن – ولو لفترة – في موقع متقدم عربياً في مجال التعددية والحريات.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية