|
A+
A-
في قضايا الاغتصاب، خصوصا حين تكون قيد التحقيق، لا يكون السؤال: هل ننشر أم نصمت؟ بل: كيف ننشر دون أن نحوّل الضحية إلى ضحية مرة ثانية؟ من حق المجتمع أن يعرف أن هناك جريمة خطيرة، ومن حق الرأي العام أن يطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة عادلة، خصوصا إذا كان المتهم من ذوي النفوذ أو منتميا إلى جهة أمنية. لكن هذا الحق لا يبيح نشر الفيديوهات، ولا كشف هوية الضحية، ولا تداول التفاصيل التي تمس كرامته أو تعرّض أسرته للوصم والضغط والانتقام. القاعدة الحقوقية البسيطة هنا: انشروا القضية لا الضحية، وانشروا المطالبة بالعدالة لا الفيديو، وانشروا الخلل المؤسسي لا التفاصيل التي تدمّر حياة المتضرر. حتى استخدام رموز مثل “م. ع.” لا يكفي لحماية الضحية إذا ذُكر اسم المتهم، واسم المنطقة، وصفته، وتفاصيل الواقعة؛ لأن الناس قد يصلون إلى هوية الضحية من خلال الربط بين هذه العناصر، خصوصا في المجتمعات الصغيرة. الحماية لا تعني إخفاء الاسم فقط، بل إخفاء كل ما قد يؤدي إلى التعرف عليه. لذلك يمكن القول مثلا: “فتحت النيابة تحقيقا بناء على بلاغ يتعلق بواقعة اعتداء جنسي مزعومة على طفل في إحدى مناطق عدن، يشتبه بتورط شخص ذي صلة بجهة أمنية فيها، وسط مطالبات بتحقيق مستقل وشفاف، وضمان حماية الضحية وأسرته، ومنع تداول أي صور أو مقاطع أو تفاصيل قد تكشف هويته أو تؤثر على سلامة التحقيق.” أما الصياغة الضارة فهي: “الطفل م. ع. من منطقة كذا، والمتهم فلان بن فلان، ويعمل في الجهة الفلانية، وحدثت الواقعة في المكان الفلاني.” هذه الصياغة قد تبدو حذرة، لكنها تكشف الضحية عمليا، وتفتح الباب للوصم والتشهير والانتقام. أما الفيديوهات والصور والتسجيلات، فلا يجوز تداولها مطلقا. هذه ليست مادة للنشر العام، بل أدلة حساسة يجب تسليمها للنيابة أو لجنة تحقيق مستقلة أو منظمة حقوقية موثوقة تتعامل معها بسرية. نشرها قد يربك التحقيق، ويؤثر على الشهود، ويعرض الضحية لإيذاء نفسي واجتماعي جديد، وقد يحوّل التضامن إلى انتهاك. ومن الناحية القانونية، فإن حماية الضحية ليست واجبا أخلاقيا فقط، بل تستند إلى نصوص ومبادئ ملزمة؛ فالمادة 16 من اتفاقية حقوق الطفل تحمي خصوصية الطفل وشرفه وسمعته، ومبدأ المصلحة الفضلى للطفل يوجب تقديم سلامته على أي نشر أو سبق إعلامي، كما أن قواعد التحقيق الجنائي تقتضي حفظ الأدلة وتسليمها للنيابة لا تداولها في وسائل التواصل. وفي المقابل، تفرض قرينة البراءة عدم وصف أي شخص بأنه “مجرم” قبل صدور حكم قضائي نهائي، مع بقاء الحق العام قائما في المطالبة بتحقيق مستقل، وحماية الضحية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تستره أو ضغطه على مسار العدالة. هنا يأتي دور القضاء. فالقضاء ليس مطلوبا منه فقط محاكمة المتهم، بل حماية الحقيقة والضحية والمجتمع في وقت واحد. عليه أن يفتح تحقيقا سريعا ومستقلا، لا يقف عند الشخص المنفذ وحده، بل يفحص البيئة التي سمحت بالجريمة: هل استُخدمت صفة أمنية؟ هل وُجد تستر؟ هل مورست ضغوط على الأسرة؟ هل حاولت جهة ما إغلاق الملف؟ كما يجب على القضاء أن يحمي الضحية وأسرته، ويمنع نشر أي معلومات تكشف هويته، ويحفظ الأدلة، ويتعامل مع الفيديوهات والتسجيلات كمواد جنائية لا كمواد للتداول، ويضمن محاكمة عادلة تحترم قرينة البراءة، دون أن تتحول هذه القرينة إلى غطاء للإفلات من العقاب. في مثل هذه القضايا، العدالة لا تتحقق بالفضيحة، ولا بالصمت. تتحقق بتحقيق مستقل، وحماية صارمة للضحية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، ومساءلة أي جهة تسترت أو ضغطت أو عطلت مسار العدالة ، وقد يتعرض الناشر للمسألة اذا ترتب عليها ضرر بالضحية او باسرته . وإذا بدا أن القضاء يتعامل مع القضية باستهتار أو تباطؤ أو خضوع للنفوذ، فإن الضغط الإعلامي يصبح مشروعا وضروريا، لكن بشرط أن يظل ضغطا منضبطا يحمي الضحية ولا يفضحها. فالضغط المسؤول لا ينشر الفيديو، ولا يكشف هوية الطفل أو أسرته، ولا يحاكم المتهمين عبر المنشورات، بل بتشيكل جبهة وطنية تضغط ، وتوجه السؤال إلى النيابة والقضاء: أين وصلت إجراءات التحقيق؟ هل حُفظت الأدلة؟ هل حُميت الضحية والأسرة والشهود؟ هل مُنع تدخل الجهة التي ينتمي إليها المتهم؟ هل جرى التحقيق مع من تستر أو ضغط أو هدد؟ إن الرأي العام لا يطلب فضيحة، بل يطلب قضاء يعمل، وتحقيقا مستقلا وشفافا، وضمانات تمنع طمس الحقيقة أو شراء الصمت أو تحويل الضحية إلى ضحية مرة أخرى. |