|
A+
A-
في الأزمات الممتدة، تميل القراءة الاقتصادية التقليدية إلى التوقف عند سطح الأزمة: تراجع النمو، الصدمات المالية، أو انهيار أسعار الصرف. لكن التحول الأعمق يحدث في مكان آخر، داخل البنية الاجتماعية نفسها، حيث تفقد بعض الفئات وظائفها الاقتصادية تدريجيًا، إلى الحد الذي يضعف قدرتها على البقاء ككيانات مستقلة. هنا، لا تبدو الطبقة الوسطى ضحية جانبية، بل الفئة الأكثر تعرضًا لـ «الإبادة الوظيفية» وهو ما يعني تجريدها من أدوارها كحلقة وصل بين الدولة والمجتمع، وقاعدة للاستقرار الإداري والطلب المستقر. فالمسألة لم تعد تقف عند انخفاض الأجور الاسمية فقط، بل امتدت إلى انهيار قيمتها الفعلية، إذ تشير التقديرات الميدانية إلى أن الأجر الذي كان يغطي الاحتياجات الأساسية قبل الصراع لم يعد يغطي اليوم سوى 25–30% منها، بما أصاب المعنى الاقتصادي للدخل نفسه.
في الأدبيات الاقتصادية، تُعرَّف الطبقة الوسطى غالبًا عبر مستوى الدخل. غير أن هذا التعريف يظل محدودًا، لأنه يتجاهل الوظيفة التي تؤديها داخل النظام الاقتصادي والاجتماعي. فالطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة استهلاكية، بل قاعدة للاستقرار الضريبي، وحاملًا للطلب المستقر، وخزانًا للمهارات الإدارية والتقنية، كما تؤدي دور الوسيط بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي. وبهذا المعنى لا تبدو نتيجة للنظام الاقتصادي فقط، بل جزءًا من آلية عمله اليومية. وعندما تتآكل هذه الفئة، لا يخسر الاقتصاد شريحة اجتماعية فحسب، بل يفقد إحدى أدوات توازنه الداخلي.
في اقتصادات النزاع، لا يعمل التضخم كظاهرة نقدية محايدة، بل كآلية تعيد توزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع. فعندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الدخول الثابتة، تتآكل القدرة الشرائية للفئات المتوسطة، بينما تنتقل القيمة تدريجيًا إلى الفئات المرتبطة بالعملة الصعبة، أو الأصول، أو الأنشطة الريعية. ومع استمرار هذا المسار، يفقد الدخل المتوسط قدرته على أداء وظائفه الأساسية: الادخار، والاستقرار، والاستهلاك القابل للتخطيط. النتيجة لا تظهر كفقر مفاجئ، بل كهبوط اجتماعي بطيء يعيد رسم الحدود بين الطبقات دون إعلان مباشر.
لا يُقاس وضع الطبقة الوسطى بحجم الأجور الاسمية، وإنما بقدرتها الفعلية على حماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. ففي البيئات المضطربة، يحدث انفصال تدريجي بين الاثنين، ترتفع الأجور شكليًا، بينما تتحرك كلفة الحياة بوتيرة أشد، فتتآكل القوة الشرائية بصورة مستمرة. وتتحول الوظيفة تدريجيًا من مصدر للاستقلال الاقتصادي إلى وسيلة للبقاء. الموظف الذي كان ينتمي إلى الطبقة الوسطى قبل سنوات قد يبقى داخل الوظيفة نفسها، لكنه يفقد شيئًا فشيئًا قدرته على حماية موقعه الاجتماعي أو الحفاظ على نمط حياته السابق. ويزداد هذا التحول قسوة في الاقتصادات التي يتوسع فيها القطاع غير الرسمي وتتعدد فيها مراكز القرار المالي، حيث تفقد الوظيفة قدرتها على إنتاج الاستقرار حتى مع استمرارها شكليًا داخل سوق العمل. هنا تبدأ الطبقة الوسطى بفقدان معناها الاقتصادي، لا وجودها العددي فقط.
أحد أخطر التحولات في الاقتصادات المنقسمة هو انتقال مركز الثقل من الإنتاج إلى الوساطة. لم يعد خلق القيمة يرتبط بالنشاط الإنتاجي أو الخدمي المباشر بالقدر نفسه الذي يرتبط فيه بالقدرة على الوصول إلى مصادر الريع والتدفقات النقدية. في هذا الواقع، تصبح السيطرة على النقد الأجنبي، أو شبكات الاستيراد، أو العلاقات مع مراكز القرار، أكثر ربحية من العمل الإنتاجي نفسه. ومع هذا التحول، تفقد الفئات الإنتاجية والإدارية ميزتها التقليدية، وتجد نفسها أمام مسارين: الانزلاق نحو الهشاشة والاعتماد على التحويلات والدعم، أو الاندماج داخل شبكات الوساطة والريع. وفي كلا المسارين، تتآكل الاستقلالية الاقتصادية، وهي الشرط الأساسي لوجود طبقة وسطى مستقرة.
الأخطر في هذا التحول أنه لا ينتج عن قرار مباشر أو سياسة معلنة، بل عن تراكم طويل لاختلالات تبدو منفصلة في ظاهرها. السياسات النقدية المضطربة، وتعدد مراكز القرار المالي، وتآكل القوة الشرائية، وتوسع الجبايات غير المتوازنة، وتفكك سوق العمل الرسمي… جميعها تدفع في الاتجاه نفسه. الطبقة الوسطى لا تُسحق دفعة واحدة، بل تُجرَّد تدريجيًا من قدرتها على الاستقلال الاقتصادي. ومع امتداد هذا المسار، لا يبقى الفراغ الطبقي فارغًا، تظهر أنماط جديدة من «الطبقة الوسطى الهشة» المرتبطة بالوساطة والريع، مثل تجار العملات، ووسطاء المعونات، وشبكات الجباية غير الرسمية. وهكذا، لا تبدو الإبادة الوظيفية حدثًا استثنائيًا، بل نتيجة تراكمية يتغير عبرها المجتمع والاقتصاد معًا.
لا يمكن فهم تآكل الطبقة الوسطى بوصفه أزمة دخل فحسب، بل كمؤشر على تحول أعمق في وظيفة الدولة الاقتصادية. فعندما تفقد الدولة قدرتها على إنتاج طبقة وسطى مستقرة، فإنها تفقد في الوقت نفسه إحدى أهم آليات التوازن بين المجتمع والسوق. الانهيار هنا لا يظهر كحدث اقتصادي عابر، بل كمسار طويل يصيب الدولة من الداخل عبر تفكيك الفئة التي كانت تمثل أحد شروط استقرارها الاجتماعي والاقتصادي. فالدولة التي تعجز عن حماية طبقتها الوسطى لا تواجه أزمة مؤقتة، بل تصبح أكثر قابلية للانزلاق داخل مسار تفكك اجتماعي طويل. |