|
A+
A-
الثاني والعشرون من مايو الأغر عام90؛ لم يكن يوما تاريخيا فقط تحققت فيه معجزة الوحدة اليمنية وكفى.. بل كان ميلاد يمن جديد كلياً، انتقل من عهود الأنظمة الشمولية وزمن الحزب الأوحد والحكم الفردي، إلى عصر الشراكة السياسية والتعددية الحزبية وحرية التعبير والثقافة الحقوقية والديمقراطية العصرية التي يفتقدها اليمنيون اليوم ويتحسرون على زمنها بمرارة، بسبب انقلاب حوثي مدمر أعاد اليمنيين إلى زمن الحاكم الأوحد، ونسف كل المكاسب الوحدوية! لعل من أعظم حسنات الوحدة اليمنية بإجماع المؤرخين أن تحقيقها كان مشروطا بانتهاج الحرية والديمقراطية الحديثة كشرط إلزامي نصت عليه اتفاقية الوحدة، بما يكفل للشعب اليمني العظيم مواكبة العصر وامتلاك إرادته والمشاركة في صنع القرار واختيار حكامه بكل حرية باعتباره مالكَ السلطة ومصدرَها دون وصايةٍ من احد! بفضل نعمة الوحدة؛ تم إخلاء السجون من جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي.. وانفتحت الأبواب على مصراعيها للتعددية الحزبية وحرية الصحافة لأول مرة في تاريخ اليمن.. حيث تم تسجيل أكثر من15 حزبا؛ لها أعضاؤها ولوائحها وبرامجها ومقراتها وصحفها، لتتنافس في العلن، بعدما ظل عملها محظورا لعقود طويلة! في ظل دولة الوحدة؛ شهد اليمنيون أول تصويت شعبي على دستورها، ونال موافقة الأغلبية الكاسحة.. وتم دمج مجلسي الشعب والشورى في برلمان واحد؛ تولى مهمة مراجعة قوانين الدولة واللوائح التنظيمية لمؤسساتها وإقرارها.. وتسلّم مسئولية الرقابة الشعبية على عمل الدولة وحكوماتها. بسبب دولة الوحدة؛ انتعشت الصحافة الحزبية والأهلية حدَّ الانفجار، وشهد الشارع اليمني أكثر من 100 مطبوعة صحفية.. لتتفتح الأزهار وتتفتق القدرات الإبداعية وتتبارى الأقلام في التعبير عن مكنونها، إلى حد انتقادها لرأس الدولة بلا أية مكابح، لدرجة أن بدايات الوحدة شهدت فوضىً حزبيةً وصحفية عارمة؛ نظرا لحداثة عهد اليمنيين بالحرية والديمقراطية؛ وشوقهم للانفتاح على العالم. في ظل دولة الوحدة؛ شهد اليمنيون انتخابات شعبية متوالية- برلمانية ثم محلية ثم رئاسية.. ومارس الرجل والمرأة حقهما الكامل، سواءً في التصويت الحر؛ أو الترشح كممثلي أحزاب ومستقلين، لتتحول أيام الانتخابات إلى أعراس ديمقراطية ومواسم فرح تشرح القلب، وترسم طوابيرها المدهشة أروع لوحة وطنية. حتى حقوق المرأة اليمنية وصلت إلى ذروتها، بتعيين وزيرات في الحكومات المتوالية وسفيرات في الخارج، وانتخاب عضوات برلمان، وانعكس ذلك على تواجدها وارتقائها في كل مؤسسات الدولة. وفي دولة الوحدة أيضا؛ استمر النهج الديمقراطي يتطور تدريجيا حتى أصبح اليمن ضمن أفضل بلدان الديمقراطيات الناشئة، وانتزع تقدير العالم كله، لتشهد صنعاء أول مؤتمر دولي للديمقراطيات الناشئة بدعم أممي وعربي.. وعاش اليمنيون ربيع الحرية والديمقراطية وأزهى سنواتها.. وهكذا كانت أيامهم ولياليهم! إلى أن حلت فوضى ربيعية مشؤومة؛ ثم انقلاب حوثي مدمر كدّر صفو اليمنيين ونغص حياتهم، ليستيقظوا على بلدٍ أشعثَ اغبر؛ وفتنٍ كقِطَع الليل المظلم؛ حيث لا دولة ولا دستور ولا جغرافيا واحدة.. لا ديمقراطية ولا أحزاب ولا صحافة حرة ولا انتخابات.. بسبب أطماع كهنوتية متخلفة دمرت التعايش وأعادت البلد مئة عام إلى الوراء، إلى أزمنة الحاكم الأوحد من جديد، وقبضة حاكم غِـرّ، نصّب نفسه وصياً على شعب عظيم.. ليجد اليمنيون أنفسهم اليوم امام معركة مصيرية لاستعادة دولتهم وكرامتهم، ومكاسب وحدوية يتذكرونها اليوم بألم؛ ويتحسرون على رحيل رائدها بمرارة!
|