|
A+
A-
كان اليمني قديمًا إذا قال: "أنا يمني"، شعر بالفخر قبل أن ينطقها، وكانت القرية تغلق أبوابها وهي مطمئنة، لا خوف من سارق ولا رهبة من غادر. كان الرجل يترك بندقيته عند باب البيت ويمضي، ويترك دكانه مفتوحًا وقت الصلاة، ثم يعود ليجد المال في مكانه. كان الفقير مستورًا، والغني يعرف أن للناس حقًا في ماله، وكانت الشهامة تُدرَّس عمليًا قبل أن تُكتب في الكتب. في الحارة الواحدة، كان الكبير أبًا للجميع، وكانت الأم إذا أرسلت طفلها إلى السوق عاد ومعه الحاجة وكلمات الدعاء من الناس. كانت المدرسة تصنع رجالًا، لا مجرد شهادات. لم تكن الحياة كاملة، نعم، كان هناك تعب ومشقة أحيانًا، لكن كانت هناك قلوب نظيفة، ونفوس تخاف الله، ومجتمع يعرف معنى "العيب". كان اليمني يختلف في السياسة، لكنه لا يخون وطنه، ويغضب أحيانًا، لكنه لا يبيع كرامته، ويعارض، لكنه لا يهدم البيت فوق رؤوس الجميع. ثم جاءت سنوات الجحود... نعم، سنوات الجحود. كبرت لغة الكراهية، وصغر صوت العقل. فتحوا أبواب الفتن، ثم عجزوا عن إغلاقها. واليوم، انظروا إلينا... أصبح البعض يبيع وطنه مقابل منصب، ويبيع كرامته مقابل حفنة مال، ويخون مجتمعه ثم يتحدث عن الوطنية. لم نصل إلى هذا القاع فجأة، بل وصلنا إليه عندما نسينا قيمة النعمة، وعندما تحولت المعارضة عند البعض من وسيلة إصلاح إلى هواية هدم وانتقام، وعندما صار الحقد السياسي أهم من مصلحة الناس. لكن رغم كل هذا، ما زال في اليمن رجال يشبهون الزمن الجميل، وما زالت هناك أمهات يربين على القيم، وما زالت القرى تعرف معنى النخوة، وما زالت البلاد قادرة على النهوض إذا عاد الناس إلى العقل، وحفظ الجميل، وشكر النعمة. |